رغم مرور أكثر من عقد على دخول المغرب نادي كبار منتجي السيارات في العالم، وتحقيقه لأرقام قياسية في حجم الصادرات وتدفقات الاستثمار، ما تزال أسعار السيارات في السوق الوطنية تثير الاستغراب وحتى الاستياء.
الواقع يكشف عن مفارقة صارخة: سيارات تُصنع على أرض المغرب، بأيدي عاملة مغربية، وتُعفى من الضرائب وتُحاط بكل أنواع التحفيزات، لكن تباع للمواطن المغربي بسعر يقارب أو يفوق أسعارها في أوروبا، حيث الدخل الفردي يتجاوز نظيره المغربي بأضعاف.
فهل تحول المغرب إلى مصنع لغيره؟ ولماذا لا يستفيد المستهلك المغربي من هذا النموذج الصناعي الذي يُروّج له كقصة نجاح؟ وهل نحن أمام اختلال في السياسات العمومية، أم أمام غياب العدالة في توزيع ثمار “النهضة الصناعية”؟
تناقضات الأرقام.. إنتاج وفير، أسعار مشتعلة
يحتل المغرب حاليا المرتبة الأولى في إفريقيا من حيث إنتاج السيارات، بأكثر من 720 ألف وحدة سنويًا، وفق بيانات وزارة الصناعة والتجارة سنة 2024، ويشكل هذا القطاع أول مصدر للعملة الصعبة للمملكة.
مصنع رونو طنجة، الأكبر في إفريقيا، أنتج وحده ما يفوق 310 آلاف سيارة سنة 2023، منها داسيا سانديرو، الأرخص في أوروبا، بينما مصنع ستيلانتيس في القنيطرة بلغ إنتاجه 175 ألف وحدة تشمل بيجو 208 وسيتروين AMI.
لكن هذه الأرقام، التي قد تُفهم كعلامة تقدم، لا تعني شيئًا بالنسبة للمواطن المغربي الذي يواجه أسعارا خيالية.
داسيا سانديرو، التي تُصنع في طنجة، تباع في فرنسا بسعر يبدأ من 10,990 يورو (حوالي 100000 ألف درهم مغربي)، بينما لا يقل ثمنها في المغرب عن 165 ألف درهم، وقد تتجاوز 200 ألف درهم بنسخها المتقدمة( توت أوبسيون).
وفي اتصال مع مصدر مسؤول في شركة توزيع سيارات فرنسية بالمغرب، صرح لموقع نيشان أن “الفرق في السعر مرده إلى الزيادات وهوامش الربح التي يفرضها الموزعون والعارضون، فضلا عن ارتفاع هوامش النقل والتوزيع”. لكنه أقر أيضا أن “غياب المنافسة، وتقلص العرض بفعل توجيه أغلب الإنتاج نحو التصدير، يساهمان في جعل السوق المغربية سوقا مغلقة وغير متوازنة”.
اليد العاملة الرخيصة والتحفيزات لا تُترجم إلى أسعار مناسبة
حسب تقرير حديث لمكتب الدراسات Oliver Wyman، فإن تكلفة اليد العاملة في صناعة السيارات بالمغرب هي الأرخص عالميًا، وذلك بكلفة 106 دولارات شهريًا، مقابل 597 دولارًا في الصين و955 في إسبانيا، مما يجعل كلفة التصنيع بالمغرب مثالية من حيث الربحية.
إضافة إلى ذلك، تُمنح الشركات الأجنبية إعفاءً ضريبيًا كاملا لمدّة 5 سنوات، وإعفاءً من الضريبة على القيمة المضافة على الاستيراد، ودعما من صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية قد يصل إلى 20% من تكاليف المشاريع. لكن رغم هذا، تبقى الأسعار مرتفعة داخليًا.
ويقول الخبير الاقتصادي د. رشيد محجوب، في تصريح خص به موقع نيشان: “الإشكال أن الدولة ربطت صناعتها بالمحيط الخارجي فقط، وجعلت السوق الأوروبية هي الزبون الحقيقي، دون اعتبار للقدرة الشرائية المحلية. وبالتالي أصبح المغرب يصنّع للغير، ويستهلك ما تبقى، إن بقي شيء”.
وأضاف المصرّح ذاته “أن النموذج الصناعي المغربي يفتقر إلى ما يمكن تسميته بـ”البعد المواطناتي”. إذ لم تُدرج الدولة ضمن اتفاقياتها مع الشركات المصنعة أي شروط تتعلق بتخصيص نسبة معينة من الإنتاج للسوق المحلي بأسعار تفضيلية، أو خطوط إنتاج خاصة بسيارات منخفضة السعر موجهة للمغاربة.
ويتابع محجوب موضحا “في تجارب عالمية كالهند والبرازيل، هناك ربط بين التصنيع والتحفيزات الضريبية من جهة، والتسعير العادل للمواطن من جهة أخرى. أما في المغرب، نمنح الإعفاءات، ونتحمل التكاليف، لكن لا نفرض شروطًا اجتماعية. وهذا خلل هيكلي في فلسفة السياسات الصناعية”.
أين دور مجلس المنافسة والرقابة الحكومية؟
واحدة من أوجه الإشكال الأساسية في سوق السيارات المغربية هي غياب المنافسة الفعلية، واستحواذ عدد محدود من الموزعين الكبار على السوق، مما يجعل التحكم في الأسعار شبه ممكن. فبخلاف الأسواق الأوروبية، حيث تحدد أسعار السيارات بدقة وفق المنافسة والشفافية والرقابة، يبقى السوق المغربي مفتوحاً أمام المضاربات التجارية، دون تدخل فعّال من مجلس المنافسة أو وزارة الاقتصاد.
وقد سبق لمجلس المنافسة أن أعلن في 2022 عن دراسة لتقييم “آليات ضبط الأسعار في قطاع السيارات الجديدة والمستعملة”، لكنه لم يصدر أي تقرير رسمي أو توصيات واضحة إلى اليوم. ما يزيد من غموض السوق، ويترك المواطن فريسة بين كلفة اقتناء سيارة جديدة تفوق إمكانياته، وسوق مستعملة ملتهبة هي الأخرى، خاصة مع قلة العرض وتنامي الطلب.
غياب الشفافية وغياب حماية المستهلك
الخبير الاقتصادي “نجيب أقصبي” صرّح في أكثر من مناسبة أن “النموذج الصناعي المغربي في مجال السيارات قائم على التصدير أولاً، ولا يُعير أي اهتمام للسوق الوطنية”. ويضيف أن السياسة العمومية “لم تربط أبداً بين تشجيع المستثمرين الأجانب وتحقيق العدالة الاستهلاكية داخلياً”. بل إن الحكومة، عوض فرض شروط تسعيرية مخففة أو توجيه دعم مباشر للمواطنين الراغبين في اقتناء سيارات، تتبنى مواقف أقرب إلى الحياد أو التسويغ للفاعلين الصناعيين.
ويعزز هذا الطرح غياب تام لأي تدخل من مجلس المنافسة لضبط الأسعار أو منع الاحتكار، خصوصاً في سوق يعرف وجود عدد محدود من الشركات الموزعة الكبرى، التي تتحكم في القنوات التسويقية والأسعار، وفق منطق تجاري لا يراعي واقع السوق الوطنية.
هل هناك إرادة سياسية لمعالجة الفجوة؟
رغم تكرار شعارات دعم الطبقة المتوسطة وتيسير الولوج إلى وسائل النقل الحديثة، فإن الدولة لم تضع بعد سياسة واضحة لربط التصنيع بالتسويق الداخلي. حتى الدعم الموجه لاقتناء السيارات الكهربائية، الذي أُعلن عنه ضمن بعض المبادرات البيئية، يظل موجها لفئات محدودة للغاية، ولا يشمل السيارات الاقتصادية الاعتيادية.
في المقابل، تُخصّص الدولة مليارات الدراهم لتحفيز المستثمرين الصناعيين الأجانب، عبر صندوق التنمية الصناعية والمناطق الحرة، دون اشتراطات اجتماعية واضحة تتعلق بالأسعار أو نسب البيع في السوق المحلي.
هل يتحول المواطن المغربي إلى مجرد “عامل إنتاج”؟
منذ سنوات، تتباهى الحكومة بالأرقام القياسية في صادرات السيارات، لكنها تتغاضى عن سؤال جوهري: ما مدى استفادة المواطن المغربي من هذه الطفرة؟ هل يظل مجرد يد عاملة رخيصة، أو مستهلك مجبر على اقتناء سيارات “صُنعت في بلده” بأسعار تفوق قدرته الشرائية؟ المفارقة تزداد وضوحاً يوماً بعد يوم، في ظل غياب تدخل حاسم من الجهات التنظيمية، واستمرار تفضيل منطق السوق على منطق العدالة الاجتماعية.
ففي النهاية، ما معنى أن يكون المغرب من بين أكبر مصدّري السيارات في إفريقيا، إن لم يستطع توفير سيارة محترمة للمواطن بسعر معقول ومنصف؟







