مرة أخرى، ظهرت نتائج الباكالوريا نسخة 2025، وجرى تحطيم الرقم القياسي في نسبة النجاح بأعلى الميزات… على وسائل التواصل الاجتماعي طبعا.
يكفي أن تفتح فيسبوك ومشتقاته لتشعر أن مئتين في المائة من المسجلين نجحوا، وحتى غير المسجلين …. الجميع حصل على الشهادة الخطيرة، بمعدلات عالية وميزات تبهج الناظرين وتخرس الشامتين!
الحقيقة أن نسبة النجاح لم تتجاوز 66,80% من مجموع المترشحين الممدرسين، مسجلة تراجعًا طفيفًا مقارنة بنتائج السنة الماضية التي بلغت 67,86%. حسب الإحصائيات الرسمية لوزارة التربية الوطنية. لكن الجميع ناجح على وسائل التواصل الاجتماعي و”ليمونسيون غير كتشاير”، ليس هناك إلا “حسن” و”حسن جدا” وأبناء خالتمهما…
الجميع يزفّ لنا الخبر السعيد حول نجاح أحد أقاربه ويطلب منا أن نشاركه الفرحة : “مبروك لابني، فرحان ببنت اختي، تهنئة خاصة لابن خالتي، خمسة وخميس على اختي الصغيرة”… ولا أثر ل”مستحسن” أو “مقبول” مثلا، جميعهم نجحوا بحسن او حسن جدا. فيسبوك اكبر تجمع للعباقرة في العالم. ولايسعنا إلا ان نقول لهم: مبارك ومسعود الباك… لكن أين من فشلوا؟ أين الكسالى والساقطون وأصحاب الراتراباج ومن سيكررون السنة؟
تتعب من التفتيش ولا تكاد تعثر على ساقط واحد في فيسبوك. أليس من حق الساقطين أيضا أن يعبروا عن خيبتهم؟ أليس من واجب أقاربهم أن يتضامنوا معهم في محنة الفشل ويواسونهم على وسائل التواصل الاجتماعي، كما يفعل أقارب الناجحين؟ لماذا لا نجد تعليقات من هذا القبيل:
“تعاطفي مع ابن اختي الذي لم يستطع الحصول على الباكالوريا للمرة الثانية على التوالي ولكن التالتة نابتة”
“ماتبكيش آولدي، يلا ما جا هاد العام يجي لعام الجاي، ما كيسبق للسوق غير الشفانجية والعطارة”
“الراتراباج لا يعني السقوط ورب ضارة نافعة”
“إلى هيثم الذي لم يحالفه الحظ، تذكر أن أينشتاين سقط ثلاث مرات في الباكالوريا”…
الحقيقة ان الغياب المريب للساقطين في فيسبوك يؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي في المغرب مجرد فضاء للتباحث حول حول هي و”الفوحان”، واستعراض النرجسيات المريضة. من فشل أقرباؤهم يفضلون التنظير لمخرجات الحرب بين إسرائيل وإيران والحديث عن ضرورة ايجاد حلّ للركراكي مع المنتخب الوطني… والبعض يغلق حسابه حدادا على السقوط.
الحقيقة أيضا أن الباكالوريا لم تعد تصلح لأي شيء في البلاد التي… أصبحت مجرد عتبة رمزية يجتازها المراهق كي يدخل الى عالم الكبار. خصوصا بعد أن وصل التعليم العمومي إلى حضيض غير مسبوق. وسرعان ما يكتشف التلميذ الوافد من المدرسة العمومية أنه لا يملك أدوات التنافس مع الآخرين، الذين تلقوا تكوينا حقيقيا في المدارس الخصوصية والبعثات الأجنبية. الحصول على الباكالوريا مع ثغرات فظيعة في التكوين، يؤمن لصاحبه شيئا واحدا: العطالة، بعد مشوار متعثر في الجامعة.
لقد سيطر القطاع الخاص على المشهد، وأصبحت الدراسة في التعليم العمومي تشبه اللعب في بطولة الهواة، في الوقت الذي يلعب فيه “المحترفون” في البعثات الأجنبية والمؤسسات الخاصة، وهو دوري “القسم الأول” الذي يسمح للاعبيه بالفوز بكل البطولات. وبدل مراجعة جذرية للمنظومة التعليمية المعطوبة، تطلع علينا كل مرة لجنة أو مكتب دراسات بتشخيص جديد، يثير السخرية في غالب الأحيان، ولا تطبق توصياته أبدا.
وزراء شتى تعاقبوا على التربية الوطنية والتعليم العالي، ولجان كثيرة اشتغلت على “إصلاح التعليم”، والنتيجة مزيد من “الضباع” والأجيال الضائعة، التي استعملت كفئران تجارب لمناهج مرتجلة وخطط فاشلة.
التعليم في المغرب، يشبه مريضا بالسرطان، وبدل استئصال الورم الخبيث يتم دهنه بـ”البيطادين”… مع ذلك، مبروك الباك لكل من نجحوا!
“حسن” و”حسن جدا”!







