بعد أشهر من الترقب والتأجيل، تعلن حكومة عزيز أخنوش استعدادها لإطلاق أولى اجتماعات اللجنة الوطنية المكلفة بإصلاح أنظمة التقاعد. إعلان جاء على لسان وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح علوي، في جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب أمس الإثنين 16 يونيو 2025، لكنها في الآن ذاته شددت على أن “العمل لم يكن متوقفا”. غير أن القراءة الموضوعية لسيرورة هذا الملف الحيوي لا تعفي الحكومة من أسئلة محورية حول التأخر، وغياب الجرأة السياسية، وواقعية السيناريوهات المطروحة، ومدى صدقية الإرادة المعلنة قبيل دخول النصف الأخير من الولاية التشريعية.
بين التأجيل والتقاعس
بالعودة إلى أرشيف التصريحات الحكومية تكشف أن مشروع إصلاح التقاعد لم يكن طارئا ولا مفاجئا. فمنذ توقيع ميثاق الحوار الاجتماعي في أبريل 2022، كانت خارطة الطريق واضحة: إصلاح شمولي يقوم على إحداث نظام ثنائي القطب (عمومي/خصوصي)، وإدماج آليات الحكامة، وتحقيق الاستدامة المالية، مع الحفاظ على المكتسبات. غير أن الحكومة، وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على تنصيبها، لم تبلور سوى مذكرات تقنية ومشاورات داخلية ولجان تمهيدية، في مقابل تعاقب التقارير التحذيرية من مؤسسات رسمية ودولية، تحذر من الإفلاس المرتقب لصناديق التقاعد في أفق 2028، وفق ما ورد في تقرير وزارة المالية حول المؤسسات العمومية.
والسؤال المشروع اليوم، هو لماذا انتظرت “حكومة عزيز أخنوش”، حتى صيف 2025، أي سنة فقط قبل الانتخابات التشريعية المرتقبة في 2026، لتعلن إطلاق اجتماعات اللجنة الوطنية؟ ولماذا هذا البطء في معالجة ملف يعتبر من أعقد وأخطر الملفات الاجتماعية والاقتصادية بالمغرب؟
إصلاحات تجميلية أم حلول جذرية؟
مصدر مطلع من وزارة الاقتصاد والمالية، أكد أن “الحكومة عكفت طيلة السنتين الماضيتين على دراسات تقنية أنجزها مكتب دراسات دولي، وخلصت إلى سيناريو واضح، ألا وهو رفع سن التقاعد إلى 65 سنة، وتوحيد السقف المعاشي، وتجميد الحقوق المكتسبة لعشر سنوات على الأقل”. لكن المصدر ذاته والذي طلب عدم الكشف عن هويته، اعترف بأن “التمويل العمومي لهذا الإصلاح يبقى محدودا، ما يعني أن الكلفة ستُحمّل مرة أخرى للموظفين والأجراء”.
من جهته، يرى الفاعل النقابي أحمد عداوي أن “الحكومة تسير على خطى الإصلاحات المقياسية التي قامت بها حكومات سابقة، لكنها لا تملك اليوم لا الزخم السياسي ولا الغطاء الاجتماعي لتنزيلها”. وأضاف المتحدث في اتصال هاتفي مع نيشان: “ما نراه ليس إصلاحا جذريا بل خطة لتأجيل الانهيار، وقد تكون لها كلفة اجتماعية باهظة على الأجيال المقبلة”.
ورقة انتخابية بامتياز؟
وفيما تصر الحكومة على أن إعلانها الأخير يأتي في إطار تنفيذ مخرجات الحوار الاجتماعي، فإن التوقيت يبعث على أكثر من شك. فالإصلاح المفترض يُعلن عن انطلاقه في منتصف 2025، في وقت يفترض أن يُعرض المشروع على البرلمان في الدورة التشريعية المقبلة، ما يعني أنه قد لا يُصادق عليه إلا مع بداية 2026، أي أشهر قليلة قبل الانتخابات التشريعية. ويبدو أن الحكومة تراهن على تمرير “الإصلاح” كإنجاز انتخابي، أكثر منه ورشا وطنيًا جريئا يقطع مع منطق الترقيم التقني.
وإذا ما صدّقنا ما جاء في التصريح الأخير لوزيرة المالية، فإن الحكومة لن تقدم “وصفة جاهزة”، بل ستنفتح على مقترحات الفرقاء. لكن مصادر نقابية تؤكد أن الحكومة سبق وقدمت مقترحًا يتضمن رفع سن التقاعد ورفع نسب الاقتطاعات وتجميد الحقوق، وطلبت فقط “ملاحظات شكلية” وليس التفاوض الحقيقي حول الجوهر.
وفي اتصال هاتفي لـ “نيشان” مع “محمد ميقات” الباحث المختص في السياسات العمومية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، قال إن “الحكومة تتعامل مع ملف التقاعد بمنطق تدبيري لا يتجاوز عتبة الأزمة، بدل أن تتبناه ضمن إصلاح شمولي للسياسات الاجتماعية والمالية للدولة”.
وأضاف ميقات أن “تأجيل فتح النقاش العمومي الحقيقي حول التقاعد إلى ما قبل سنة واحدة من الاستحقاقات الانتخابية يفقد هذا الإصلاح الكثير من الجدية والمصداقية”، محذرًا من أن “الرهان على حلول تقنية معزولة عن المنظومة الاجتماعية، وبدون إشراك حقيقي للمعنيين، قد يكرّس فقدان الثقة في الإصلاحات الكبرى”.
كما اعتبر أن الحكومة “تُدير الزمن السياسي أكثر مما تُدير ورشا استراتيجيا، لأنها تدرك أن تكلفة التقاعد المرتفعة اجتماعيا لا يتحملها الناخب بنفس الصبر الذي قد يُظهره أمام تأجيل المواعيد”، مشددًا على أن “الإصلاح الحقيقي لا يقاس بعدد الاجتماعات أو التصريحات، بل بمستوى الشفافية والنجاعة السياسية في اتخاذ القرار”.
إصلاح لا يجيب عن الأسئلة البنيوية
كل التقارير الوطنية والدولية التي تناولت أنظمة التقاعد بالمغرب، من تقرير المجلس الأعلى للحسابات إلى مذكرات البنك الدولي، تشير إلى أن الأزمة أعمق من مجرد أرقام ونسب. إنها أزمة ديموغرافية واقتصادية وهيكلية. النظام الحالي لا يشمل سوى 46% من النشيطين، وأغلبهم في القطاع الخاص لا يستوفون شروط الاستفادة من المعاش. وحتى من يستفيد، فمتوسط المعاش لا يتجاوز 2000 درهم شهريًا، وفق إحصائيات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
ثم إن الحديث عن “قطبين” عمومي وخاص، دون تفعيل تقني لإحداث منظومة موحدة، يبقى في حكم التوصية النظرية. فكل المؤشرات تفيد بوجود تباينات كبرى في نسب الاقتطاع، في شروط التقاعد، وفي الحكامة بين الأنظمة، ما يجعل الاندماج صعبًا بدون تضحيات جسيمة من جهة دون أخرى.







