1-
استفادت إسرائيل من التحضير الطويل للعملية ومن عنصر المباغتة، وتمكنت من إلحاق خسارة كبيرة في القيادة العسكرية الإيرانية وفي منظومتها الدفاعية، لكن المعادلة أصبحت أكثر تعقيدا بمجرّد ما تجاوزت إيران الصدمة وشرعت في الردّ الصاروخي. بدأت تتلاشى تدريجيا نشوة النصر في تلّ أبيب لفائدة الخوف والتوجس من المستقبل… الحياة توقفت تماما في إسرائيل، وتعطّل الاقتصاد، واضطرّ السكان إلى قضاء معظم وقتهم في الملاجئ. رغم منظومات الدفاع المتطورة، وتعليمات “الجبهة الداخلية”، استطاع عددٌ من الصواريخ الإيرانية الوصول إلى منشآت حساسة في كبرى المدن الإسرائيلية، وإحداث دمار كبير، وإسقاط بعض الضحايا من المدنيين والعسكريين.
2-
لا شكّ أنّ إسرائيل تفوقت عسكريا على إيران، لكنها لم تنتصر. التحضير الجيد، والتغلغل الاستخباراتي، والتسليح الأمريكي، وعنصر المباغتة… كلها منحت امتيازا واضحا للدولة العبرية، لكن مع احتدام المواجهة، وتوالي الهجمات الإيرانية بالمسيرات والصواريخ الباليستية، أظهرت منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلي حدودها، وبدا جليا أن إيران، رغم خسائرها الكبيرة، توجه ضربات مؤلمة لخصمها. وفيما كانت طهران تكشف كل يوم عن صواريخ أشدّ فتكًا مما سبقتها، بدأت تخوفات جدية في إسرائيل من استنفاذ مخزون المنظومة الدفاعية ( القبة الحديدية ومقلاع داوود وصواريخ ثاد الأمريكية)، مما من شأنه أن يتسبب في خسائر أكبر إذا استمرت المواجهة.
3-
تلّ أبيب لم تحقق الهدف الرئيسي من الحرب. الضربات الإسرائيلية والأمريكية أحدثت أضرارا كبيرة في منشآت إيران النووية في نطنز واصفهان وفوردو، على الخصوص، لكنها لم تقض على برنامج طهران النووي. كل المؤشرات تؤكد أن الإيرانيين استطاعوا شحن أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وأخفوها في مكان آمن. ورغم اغتيال عدد مهم من العلماء، يجمع المطلعون أن “الخبرة النووية” منتشرة بشكل واسع في الجامعات الإيرانية، وباستطاعتها أن تعيد ترميم منشآتها والذهاب قدما نحو القنبلة النووية. أكثر من ذلك، صوّت البرلمان الإيراني مباشرة بعد الحرب على تعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ترجمة ذلك أن طهران يمكنها أن تتقدم في مشروعها النووي الآن بحرية، دون أي مراقبة خارجية.
4-
إسرائيل بدت من خلال هذه الحرب أقرب إلى قاعدة عسكرية أمريكية منها إلى دولة مستقلّة، قادرة على حماية نفسها وتوفير الأمن لسكانها… إذا كانت حماس وحزب الله والحوثيون والتنظيمات العراقية يوصفون بأنهم “وكلاء إيران” في المنطقة، فإن إسرائيل أيضا “وكيل الغرب” في الشرق الأوسط، هذه إحدى خلاصات الحرب. إنه المعنى الحقيقي لما قاله المستشار الألماني فريدريتش ميرس: “إسرائيل تقوم بالعمل القذر نيابة عنا”… هذا بالضبط ما يحدث. إسرائيل مجرد قاعدة عسكرية في الشرق الأوسط. وجودها غير مضمون من دون الغرب.
5-
من ظهر معزولا في هاته المواجهة ليست إيران بل إسرائيل. نتانياهو منح لطهران دور الضحية حينما بادر إلى الهجوم، مما جعل “المعتدي” و”المعتدى عليه” واضحين. تلّ أبيب خرقت، مرة أخرى، القانون الدولي. النسخة الدولية من “كلنا إسرائيليون” سعوا إلى تبرير العدوان باللجوء إلى مفهوم “الحرب الاستباقية”، أحيانًا، وباعتبار الهجوم ردّا على ضربات أبريل وأكتوبر 2024 الصاروخية في إطار ما سمي بالوعد الصادق 1 و2، لكن حججهم لم تصمد أمام الرأي العام الدولي، وبدت أشبه بحركات بهلوانية. ما عدا الولايات المتحدة الأمريكية والمعسكر الغربي عموما، الذي تعتبر إسرائيل وكيلته في المنطقة، كل دول العالم شجبت العدوان الإسرائيلي واعتبرته انتهاكا للقانون الدولي. طهران حظيت بدعم واضح من روسيا والصين ودول البريكس وجميع البلدان العربية والإسلامية وفي مقدمتها باكستان، القوة النووية، وتركيا، عضو حلف شمال الأطلسي، والسعودية، زعيمة المحور السني.
6-
رغم أن إيران تكبدت خسائر كبيرة، ورغم التفوق الإسرائيلي في الجوّ، فإن إسرائيل بدت أكثر حاجة إلى وقف إطلاق النار، لأن كلفة الحرب أصبحت مرتفعة بشريا واقتصاديا على الدولة العبرية. الطلعات الجوية مكلّفة ماليا، ومنظومات الدفاع تستنزف مليارات الدولارات وتتجه نحو النفاذ… الدخول في حرب استنزاف ليس في صالح إسرائيل، لأنها غير مهيأة لذلك. سكانها لم يسبق لهم أن عاشوا الحرب في مدنهم، والبلاد لم تشهد في تاريخها القصير دمارا مثل التي تعرضت إليه. بخلاف ذلك، حتى وإن كانت خسائرها أكبر فإن إيران متفوقة جغرافيا (بحكم مساحتها الشاسعة وتضاريسها المعقدة) وديمغرافيا (تسعون مليونا مقابل عشرة ملايين) وتاريخيا (إيران لديها تجربة في حروب الاستنزاف، إذ خاضتها ضد العراق لمدة ثماني سنوات). كل يوم في المواجهة كان يعمق التهديد الوجودي لإسرائيل، لذلك سعت بكل الوسائل إلى وقف إطلاق النار كي تخرج من الورطة ولا تفقد المكاسب التي حققتها في بدايات الحرب.
7-
يكفي أن نقارن الحزم الذي أبداه دونالد ترامب في التوصل لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران مع موقفه المتخاذل فيما يتعلق بالحرب في غزة كي ندرك أن وقف إطلاق النار كان مطلبا إسرائيليا قبل أن يكون إيرانيا. أكثر من ذلك، يمكن القول بأن هناك تواطؤ وتوزيع في الأدوار بين نتانياهو وترامب. وما يجري في غزة تنفيذ إسرائيلي لمشروع ترامب السياحي ، الذي يعتزم عبره تحويل غزة إلى “ريفيرا” في الشرق الأوسط، بعد إبادة السكان وتهجير من بقي منهم.
8-
حديث ترامب المبالغ فيه عن النجاح الساحق للضربات الأمريكية ضد منشآت إيران النووية، دون أي دليل ملموس، وانزعاجه من التقارير التي شككت في ذلك، يدلّ على أن الضربات الأمريكية كان الهدف منها إنهاء الحرب وإخراج إسرائيل من الورطة أكثر من أي شيء آخر. بل إن الرئيس الأمريكي يتحدث عن عودة إلى المفاوضات مع إيران… وذلك في حد ذاته إقرار بالفشل العسكري. لماذا سيتفاوض مع الإيرانيين إذا كان قد دمّر مشروعهم النووي ؟
9-
يخطئ العرب حين يعتقدون أن إسرائيل إذا انتصرت على إيران وأعادت تشكيل الشرق الأوسط على هواها ستتصرف معهم كما كانت تفعل من ذي قبل، أي أنها ستطلب التطبيع معهم. ستنقلب المعادلة رأسا على عقب، لأنها لن تعود بحاجة إليهم. وجود ما يسمى ب “محور المقاومة” هو ما يجعل إسرائيل تستجدي التطبيع من الدول العربية. إذا انهار المحور، ستكشر عن أنيابها، وتمرّ إلى التحرش بدول الطوق وفي مقدمتها مصر والأردن، حتى دول الخليج لن تسلم من “بلطجتها”. ولعلّ حادثة الخريطة المغربية المبتورة، تعطينا فكرة عن الطريقة التي يمكن أن تتعامل بها إسرائيل مع الدول العربية في حال انتصارها.
10-
بعد أن استعرت الحرب وترنّح النظام الإيراني، وفي غياب معارضة جدية تملك المصداقية، طفا على السطح بهلوان اسمه رضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع عام 1979. وفي نكتة إعلامية مضحكة، أقدمت بعض القنوات الإخبارية الفرنسية على النقل المباشر لخطابه الطامع في استعادة حكم والده. احتضان بهلوي من طرف الغرب، يكشف استمرار نزعته الاستعمارية. أي عبقري عنت له فكرة إعادة النظام الذي أسقطه الشعب عام 1979 ؟
11-
ترامب المهووس بالوضع الداخلي الامريكي والمواجهة مع الصين وحلم نوبل للسلام… لا يريد الانجرار الى حرب في الشرق الأوسط، وقد صنع كل ما بوسعه كي لا تتوسع المواجهة، وتصبح القواعد الأمريكية في المنطقة مهددة. المبالغة في تمجيد نتائج الضربة الأمريكية دون حجج، والتوافق مع الإيرانيين على ردهم المحدود على قاعدة العديد في قطر… يعكس مأزق ترامب، الذي لا يريد توسيع رقعة الحرب، بخلاف نتانياهو.
12-
كل المؤشرات والتقارير تؤكد أن الحرب لم تستطع القضاء على المشروع النووي الإيراني. ولأن الخطر ما زال قائما فإن نتانياهو سيعيد إشعال المواجهة دون شك في أقرب فرصة. والسيناريو الأرجح هي أن يقدم على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي دون سابق إنذار، كي يضع ترامب أمام الأمر الواقع، ويحسم معركته ضد النظام الإيراني. ما عدا إذا ما سبقته طهران، وأعلنت عن قنبلتها النووية في الأيام القليلة المقبلة، مستفيدة من غياب عيون الوكالة الدولية للطاقة الذرية.







