كشفت نتائج استطلاع حديث رأي أجراه المعهد الملكي إلكانو في إسبانيا عن تصاعد القلق لدى الرأي العام الإسباني تجاه المغرب، إذ اعتبر 55% من المستطلعين أن المغرب يشكل التهديد الخارجي الرئيسي لإسبانيا، متجاوزًا بذلك روسيا التي بلغت نسبتهم 33%، والولايات المتحدة التي ارتفعت من 5% إلى 19% بعد عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة. هذه الأرقام، التي نشرتها عدة وسائل إعلام إسبانية مرموقة من بينها صحيفة “إل بايس” و”إل ناسيونال” و”غاسيتا”، تشير إلى زيادة ملحوظة بمقدار 6 نقاط مقارنة باستطلاع العام السابق.
ويأتي هذا التصاعد في مخاوف الإسبان من المغرب في ظل تحسن متواصل في اعلاقات بين مدريد والرباط، إضافة إلى الموقف الإيجابي للجارة الابيرية من قضية الصحراء. وعلى الرغم من أن 60% من المستطلعين لم يروا تهديدًا مباشرًا للأمن الإسباني، إلا أن نسبة 40% الذين يرون عكس ذلك تتزايد بشكل خاص بين الناخبين المحافظين الذين بلغت نسبتهم 56%.
وسلطت وسائل الإعلام الإسبانية الضوء على هذا التباين بين توجهات الرأي العام والمواقف الرسمية للحكومة الإسبانية التي ما تزال تصف علاقاتها مع المغرب بأنها “ممتازة” وتؤكد حرصها على تعزيز التعاون الاستراتيجي، فيما تعكس نتائج الاستطلاع حالة من التوتر والقلق الشعبي المتزايد. ويعكس هذا الواقع التحديات التي تواجه السياسة الخارجية الإسبانية في ضبط توازن العلاقة مع المغرب، خاصة في ظل تصاعد خطاب اليمين السياسي الذي يميل إلى تأجيج المخاوف الأمنية وتعزيز مواقف أكثر تشددًا.
وبالإضافة إلى ذلك، سجلت وسائل الإعلام تراجعًا في نسبة من يعتبرون روسيا تهديدًا مقارنة بالعام الماضي، في حين ازدادت المخاوف من الولايات المتحدة بشكل لافت، وهو ما يعكس تأثير التحولات السياسية الدولية والداخلية في الولايات المتحدة على المشهد الأوروبي والإسباني على وجه الخصوص. ويرى مراقبون أن هذه التحولات الخارجية تقترن بتحولات داخلية متعلقة بالتوترات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها إسبانيا، مما يعزز من حالة القلق الشعبي تجاه التهديدات الخارجية المحتملة.
ويُشار إلى أن 85% من الإسبان ما زالوا يؤيدون بقاء بلادهم في حلف الناتو، رغم أن نسبة أقل، تصل إلى 49%، فقط ترى ضرورة زيادة الإنفاق الدفاعي، مما يعكس بعض التباين في المواقف بشأن الاستراتيجيات الأمنية. هذا المعطى يشير إلى تعقيدات في تصورات الإسبان حول الأمن القومي والتحديات التي تواجه البلاد.
في المجمل، تعكس هذه النتائج تحولات جذرية في مزاج الرأي العام الإسباني تجاه المغرب، متجاوزة بذلك التقديرات السابقة، وتدفع إلى إعادة قراءة العلاقة بين الجارين، التي لطالما كانت مليئة بالتناقضات بين الشراكة الاستراتيجية والمخاوف الأمنية. ومع استمرار الملفات الشائكة العالقة على الطاولة، يبقى مستقبل العلاقات الإسبانية-المغربية مرتبطًا بمدى قدرة الطرفين على تجاوز “الخلافات” وتعزيز الثقة المتبادلة.







