اسمه أوليفييه مارليكس. نائب برلماني من اليمين الديغولي، كان يرأس كتلة “الجمهوريين” في فرنسا. عمره 54 عاما. اشتهر بأنه الرجل الذي كشف وجود شبهة فساد ورشوة في صفقة بيع فرع الطاقة التابع لشركة “ألستوم” الفرنسية إلى “جنرال موتورز” الأمريكية بقيمة 12,3 مليار يورو في نوفمبر 2014. الصفقة ماكانت لتتم إلا بضوء أخضر من وزير الاقتصاد وقتها، على عهد الرئيس فرانسوا هولاند، وكان اسمه… إيمانويل ماكرون !
بعض المعطيات تفيد أن ما يناهز 600 مليون يورو صرفت فقط على مكاتب الاستشارة والتواصل والمحامين ومصارف الأعمال، التي واكبت تنفيذ الصفقة، ومن بينها بنك روتشيلد، الذي كان ماكرون أحد مسيّريه قبل أن يدخل المعترك السياسي. وحسب خلاصات لجنة التحقيق البرلمانية التي ترأسها مارليكس حول القضية، بين 2017 و2018، فإن بعض أعضاء مكاتب الاستشارات ومصارف الأعمال التي واكبت الصفقة، ساهموا في تمويل الحملة الانتخابية لإيمانويل ماكرون عام 2017، التي جمعت من المانحين مبلغا قياسيا. كما خلص مارليكس إلى أن ماكرون، عندما كان مستشارا في قصر الإليزيه، في بدايات عهدة هولاند، حرص على عرقلة مساعي وزير الاقتصاد أرنو مونتبورع لبيع “ألستوم”، وبمجرد ما أخذ مكانه أعطى الضوء الأخضر للصفقة !
في عام 2019، نقل مارليكس ملف ألستوم من البرلمان إلى القضاء، حيث فُتِحَ تحقيق حول الخروقات المحتملة في صفقة بيع الشركة الفرنسية إلى الأمريكيين، خصوصا ما يتعلق ب”الترخيص الذي قدمته الحكومة الفرنسية من أجل تفويت الشركة إلى مستثمرين أجانب”… رسميا، المتهم الرئيسي في القضية هو وزير الاقتصاد وقتها، الذي أصبح اليوم رئيسا للبلاد.
الاثنين 7 يوليوز الماضي، في الثانية وأربعين دقيقة عُثِر على أوليفييه مارليكس مشنوقا في بيته بمنطقة درو، غير بعيد عن باريس…. التحقيق خلص إلى أن النائب وضع حدا لحياته. لا عائلته ولا أصدقاؤه ولا زملاؤه استطاعوا تصديق الخبر. لماذا ينتحر رجل مفعم بالحياة، لديه مشاريع سياسية، وأجندته غاصة بالمواعيد؟ شهادات المقربين، الذين قابلوا الراحل وقتا قصيرا قبل موته، تؤكّد أنه كان مقبلا على الحياة، ولديه مواعيد مكثفة خلال الأسبوع، ومشغول بالمساهمة في ترتيب البيت الداخلي لحزب “الجمهوريين”، والأهم من ذلك أنه كان بصدد وضع اللمسات الأخيرة على كتاب جديد، يتضمن نقدا لاذعا لماكرون وفصلا مخصصا لقضية “ألستوم”، الكتاب كان يفترض أن يصدر في الخريف… ويجهل الآن مصيره.
لماذا انتحر مارليكس؟ هل انتحَر فعلا أم انتُحِر؟ أسئلة من الصعب طرحها في فرنسا 2025، التي تعيش على إيقاع احتقان سياسي غير مسبوق، وتراجع مخيف في حرية الصحافة، بعد أن سيطر الرأسمال على معظم الجرائد والمحطات الإذاعية والتلفزيونية. لا أحد من السياسيين أو الإعلاميين يتجرأ على التساؤل علَنا في إحدى وسائل الإعلام التقليدية المعروفة، في الوقت الذي انتشر التشكيك في انتحار مارليكس على وسائل التواصل الاجتماعي مثل النار في الهشيم. الإعلام التقليدي في واد والإعلام الجديد في واد آخر. بون شاسع بين حيويّة وسائل التواصل الاجتماعي و”اللقوى” التي أصابت وسائل الإعلام التقليدية، علما أنها لا تتردد في طرح الأسئلة وتقديم حتى الأجوبة، حين يتعلق الأمر بقضية مشابهة في روسيا، مثلا.
ثم إن هناك مؤشرات أخرى ترخي بظلال الشكّ على فرضية انتحار مارليكس…
في 11 يونيو الماضي، تم العثور على الكاتب المتخصص في قضايا الاستخبارات، إيريك دونيسي، ميّتا داخل سيارته في منطقة هوت سافوا، وجنبه بندقية صيد. السلطات القضائية رجحت أيضا فرضية الإنتحار، رغم أن العائلة استبعدت ذلك، واعتبرت أن دونيسي تعرض للتصفية !
المشترك بين دونيسي ومارليكس هو قضية “ألستوم”. خبير الاستخبارات كان بدوره يحقق في الخروقات التي شابت تفويت الشركة الفرنسية للأمريكيين…. مجرد صدفة؟ ربما. صحيح أن تشريح جثمان مارليكس عزز فرضية الإنتحار، بعد تأكيد تقرير الطبيب الشرعي عدم وجود أي آثار للعنف على الجثة، لكن استعمال تخدير كيميائي أو أي وسيلة أخرى لا تترك أثرا يظل واردا… والتحقيق لم ينته بعد. في كل الحالات، من حق الصحافة، بل من واجبها، أن تشكك وتحقق وتحاول تفكيك ما جرى. الصمت هو المشكلة !
موت بعض السياسيين في ظروف مريبة يثير الشك دائما، حتى حين يعمم القضاء روايته الرسمية.
في المغرب مازال كثيرون يشككون في الرواية التي خلص إليها التحقيق في وفاة وزير الدولة عبد الله بها، في ديسمبر 2014، حين دهسه قطار قرب وادي الشراط، أقل من شهر بعد وفاة النائب أحمد الزايدي بالمنطقة ذاتها، في ظروف لا تقل غرابة… رحمهما الله.
الريبة تزداد حين نستحضر مكانة المرحوم عبد الله بها بالنسبة لعبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة وقتها، الذي لم يكن يتخذ أي قرار دون استشارة رفيق دربه الطويل. كما أن الفاجعة جاءت في عز الحملة الإقليمية التي استهدفت الحكومات الإسلامية في عدد من البلدان العربية….
بها والزايدي في المغرب ومارليكس ودينيسي في فرنسا… كلّ الملابسات تدعو إلى الشكّ في الرواية الرسمية، لكن الحقيقة أحيانا أبسط كثيرا مما نعتقد، والصدفة أكثر مكْرا مما نتخيّله… والخبر اليقين عند ربّ العالمين!
انتحار السياسي!







