رغم الأرقام المذهلة التي أوردتها وزارة الاقتصاد والمالية حول تحصيل أزيد من 144 مليار درهم من الضرائب في ظرف خمسة أشهر فقط من سنة 2025، إلا أن هذا الإنجاز المعلن لا يخفي اختلالات بنيوية صارخة، على رأسها إثقال كاهل المواطن، وتغوّل الجباية غير المتكافئة، واستمرار لجوء الدولة إلى الاقتراض لتغطية العجز، في مفارقة مالية تكشف – برأي الخبراء – فشل الحكومة في إرساء سياسة مالية عادلة وفعالة.
فمن حيث الشكل، يبدو أن المغرب يسير بخطى ثابتة نحو تعزيز موارده الجبائية. نمو بـ16,7% مقارنة بسنة 2024، وتحصيل أزيد من 37 مليار درهم من الضريبة على الشركات، وأكثر من 32 مليار من الضريبة على الدخل، وقرابة 40 مليار من الضريبة على القيمة المضافة. لكنها أرقام، حسب ما أكده الأستاذ محمد الرهطوط، الخبير في الاقتصاد السياسي، “تخفي وجهاً آخر للوضع، حكومة تعصر الطبقة الوسطى وتترك كبار الرأسماليين خارج دائرة الضغط الجبائي الحقيقي”.
تضريب بلا عدالة… وميزانية بلا نفس اجتماعي
وبالنظر إلى تفاصيل هذه المداخيل، يتضح أن الضريبة على القيمة المضافة (TVA) تستمر في التهام نصيب الأسد من الموارد، حيث قاربت 40 مليار درهم إلى غاية ماي، أي حوالي 28% من إجمالي المداخيل الضريبية. وهي ضريبة غير مباشرة تُفرض على الاستهلاك، ما يجعلها عبئًا إضافيًا على جيوب المواطنين، خاصة الفئات الفقيرة والمتوسطة.
يعلق الأستاذ الرهطوط قائلاً “الدولة تبني استقرارها المالي على حساب الاستهلاك الشعبي، أي أنها تموّل ميزانيتها من جيوب المستهلك، لا من مداخيل كبار الأغنياء. فبينما ترتفع TVA وتستقر نسبتها في بنية الضرائب، لا تزال الضريبة على الثروة غائبة، وضريبة الشركات تُخفض بشكل تدريجي بذريعة تشجيع الاستثمار”.
ويضيف في اتصال هاتفي مع نيشان “الحكومة الحالية، بقيادة عزيز أخنوش، فشلت في تحقيق العدالة الجبائية التي وعدت بها، بل على العكس، نجد تضريباً غير متوازن يُكرّس الفوارق الاجتماعية، ويُضعف القدرة الشرائية، دون أن يوازيه تحسين ملموس في جودة الخدمات العمومية”.
ارتفاع الموارد… وارتفاع الاستدانة
وإن كان من المفترض أن تؤدي الزيادة القوية في الموارد الضريبية إلى تقليص الحاجة إلى الاقتراض، فإن الواقع يثبت العكس. فحسب مصادر مالية، يواصل المغرب اللجوء إلى السوق الدولية والمحلية للاقتراض، مما يطرح علامات استفهام كبيرة حول حكامة تدبير المالية العمومية.
هنا، يبرز رأي ثانٍ لخبير التمويل العمومي الدكتور عبد الكبير أيت كزول، الذي يرى أن “النمو في المداخيل الضريبية لا يواكبه تحسن في ضبط النفقات. لدينا اليوم اقتصاد غير منتج بالشكل الكافي، وعجز هيكلي يتفاقم، ومديونية تُستخدم لسد الثقوب لا للاستثمار المنتج، وهذا يُضعف السيادة الاقتصادية للمغرب”.
ويتابع أيت كزول في تصريح لـ “نيشان: “إن الاستدانة في ظل وفرة نسبية في الموارد الضريبية يطرح تساؤلات حول أولويات الحكومة، خاصة في ظل ارتفاع مديونية الخزينة العامة وتآكل هوامش التدخل المالي، مقابل غياب أي توجه حقيقي نحو محاربة الريع أو مراجعة بنية الإنفاق العمومي”.
الحكومة تبيع النجاح… والمواطن يشتري الفاتورة
وفي الوقت الذي تسوق فيه حكومة أخنوش هذه الأرقام كنجاح لتدبيرها المالي، يعيش المواطن المغربي على وقع موجات متتالية من الغلاء والضغط الجبائي غير المباشر، دون أي تخفيف ملموس في الأعباء الاجتماعية. فالضريبة على الدخل شهدت ارتفاعًا بـ27,6%، معززة بعملية التسوية الطوعية التي درّت 3,8 مليارات درهم، وهو ما يرى فيه بعض المراقبين “جباية مغلفة بعفو ضريبي يُكرّس الإفلات من العقاب الضريبي”.
كما أن تعويضات TVA التي تضاعفت إلى 8 مليارات درهم تثير تساؤلات حول من يستفيد منها فعلياً، في ظل شبه غياب لمواكبة المقاولات الصغرى والمتوسطة، التي تئن تحت وطأة الأداء المتأخر وغياب السيولة.
ويلاحظ هنا أن التضريب لم ينعكس حتى على القطاعات السيادية والخدماتية، إذ لا تزال المدرسة العمومية تتراجع، والمستشفيات العمومية تعاني من خصاص حاد، والمواطن لا يرى ترجمة مباشرة للموارد المحصلة في تحسين مستوى عيشه أو ولوجه للخدمات الأساسية.
ماذا بعد؟
بين خطاب الحكومة عن الإصلاح الضريبي، وواقع الاحتقان الاجتماعي والمالي، تتزايد المطالب اليوم بإعادة النظر في بنية النظام الجبائي، وتوسيع قاعدة المساهمة لتشمل القطاعات المتهربة، وعلى رأسها بعض المهن الحرة ومجموعات الضغط الاقتصادي.
وبحسب الخبير محمد الرهطوط، فإن “التحول الجبائي لن يتحقق بالأرقام وحدها، بل بإرادة سياسية حقيقية لضبط النفقات، وتفعيل العدالة الضريبية، وربط الأداء الجبائي بجودة الحياة. وإلا، فستتحول هذه الوفرة الظاهرة إلى أزمة ثقة، واحتقان اجتماعي، وانهيار تدريجي لقدرة المواطن على الصمود”.
هكذا إذن، يبدو أن ما يُقدَّم كنجاح مالي باهر لا يعدو أن يكون في نظر كثيرين تجميلًا سطحيًا لأزمة أعمق، عنوانها “جباية بلا عدالة، ومواطن يدفع الفاتورة، وحكومة تغطّي فشلها بالأرقام”.







