انتشرت خلال الأسبوع الأخير فيديوهات صادمة ومثيرة للجدل، أحدها من موسم مولاي عبد الله أمغار في مدينة الجديدة، حيث ظهر أشخاص يقدّمون أنفسهم كصحفيين، يصرخون ويحتجون مطالبين بظرف مالي بقيمة ألف درهم من رئيس الجماعة. وفيديوهات أخرى، لأشخاص من نفس الطينة، يطاردون منتخبين في الممرات والشوارع، ويضعون أمام وجوههم الميكروفونات كما لو كانت “سيوفًا” تُنتزع بها التصريحات بالقوة، في مشاهد تسيء إلى المهنة أكثر مما تخدمها.
المفارقة أن كثيرًا من هذه “العينات” لم يسبق لها أن كتبت سطرًا واحدًا في صحيفة أو مجلة، ولم تطأ قدمها قاعة تحرير. بعضهم كانوا قبل سنوات يزاولون مهنًا لا علاقة لها بالصحافة. أعرف أحدهم ظل لسنوات تقنيًا في معمل “الكابلاج”، ويملك اليوم بطاقة للصحافة وأخرى للعضوية في تنظيم للناشرين. وآخر كان، إلى وقت غير بعيد، مُسعفاً في الهلال الأحمر المغربي، وهو اليوم مراسل لموقع إخباري شهير. وآخرون انتقلوا من تجارة بسيطة أو مهن هامشية، ثم وجدوا في “الميكروفون المُلصق عليه لوغو” جواز سفر مجانيًّا إلى عالم الأضواء. هكذا تحوّلت الصحافة، في نظر البعض، إلى مجرد “بّونجة” عليها شعار ملوّن، تُقدَّم أمام فم أي مسؤول لتسجيل الصوت والصورة، بلا سؤال، بلا تحليل، بلا سياق.
المشهد ليس مجرد انزلاق فردي، بل صورة مركّبة عن الأزمة العميقة التي تعيشها الصحافة في المغرب. أزمة معايير، حيث أصبح كل من هبّ ودبّ يستطيع أن يعلن نفسه “صحفيًّا”، وأزمة مسؤولية، حيث تتحمل المقاولات الإعلامية جزءًا من الخطأ، حين تكتفي بإيفاد “مُصورين تقنيين” لتغطية ندوات هامة ولقاءات تناقش مواضيع من الوزن الثقيل، مثل الحكامة، والتضخم، وصراعات الأغلبية، ومشاريع القوانين… دون أن يرافقهم صحفي مؤهَّل ذو تكوين أكاديمي وتجربة في الميدان.
والنتيجة مشاهد عبثية نراها كثيرًا، ميكروفونات تملأ المنصة، وأسئلة غائبة. كاميرات تسجّل، لكن لا أحد يعرف ماذا سيسأل، أو كيف سيحلّل، أو حتى ما هو موضوع الندوة وأسباب انعقادها أصلًا. بل إن بعضهم لا يجد حرجًا في مطاردة المسؤول بعد خروجه، متسوّلًا مائتي درهم، كما رأينا على هامش مجلس وطني لحزب شهير.
هنا يطرح سؤال محوري وجوهري، أين المجلس الوطني للصحافة؟ إذا كان هذا الجهاز هو الضامن لأخلاقيات المهنة ومستقبلها، فإنه اليوم، أكثر من أي وقت مضى، مطالب بالتدخل بحزم، من خلال وضع معايير دقيقة، ومحاربة المتطفلين، وحماية صفة “الصحفي” من كل أشكال الابتذال. فالمهنة لم تُخلق لتكون “خدمة إضافية” على هامش المهرجانات، حيث يقف “صحفي من صنف نجار” ليشيد بمكياج و”لوك” فنانة بدل طرح سؤال، أو آخر ينبهر برؤية مسؤول أو شخصية عمومية فيسارع إلى طلب صورة إلى جانبه عوض طلب تصريح. ولا أن تتحول إلى وسيلة لابتزاز المنتخبين أو تسوّل الأظرفة.
كما أن المسؤولية لا تقع فقط على المؤسسات الرسمية، بل على كل الصحفيين المهنيين الحقيقيين، الذين باتوا مطالبين اليوم برفع سقف المهنية، وأن يثبتوا، يومًا بعد يوم، أن الصحافة ليست مجرد “كاميرا وبّونجة”، بل بناء وعي، وصناعة رأي عام، وإغناء النقاش العمومي، والمساهمة في تحسين المناخ الديمقراطي.
وطبعًا، الصحفي المهني الحقيقي يحتاج بدوره إلى حماية اجتماعية ومادية تليق بدوره في المجتمع. لا يمكن أن نطلب منه أن يضيء الطريق للناس وهو يعيش في عتمة هشاشة مادية. فالاهتمام بالجانب الاجتماعي للصحفي هو رهان أساسي، لأنه بدون كرامة مهنية لا يمكن أن نتحدث عن صحافة قوية، ولا عن ديمقراطية، ولا عن تعددية حقيقية.
المشاهد التي رأيناها مؤخرًا ليست مجرد انحرافات فردية، بل جرس إنذار يذكّرنا أن الصحافة في المغرب تقف عند مفترق طرق، إما أن تستعيد مهنيتها ومكانتها كسلطة رابعة، أو تترك الحبل على الغارب، فتتحول من “سلطة رابعة” إلى “سلطة جائعة” تبحث عن فتات الأظرفة، بدل أن تبحث عن الحقيقة وتنوير الرأي العام.







