يدخل المغرب مرحلة دقيقة في ملف التقاعد، بعد أن أظهرت البيانات الرسمية أن 54% من الساكنة النشيطة، أي ما يفوق ستة ملايين مغربي، يشتغلون خارج أي نظام تقاعدي، فيما تقترب صناديق رئيسية من الإفلاس. الأرقام واضحة وصادمة، الصندوق المغربي للتقاعد مرشح لنفاد احتياطاته ابتداء من 2028، أي خلال أقل من ثلاث سنوات، بينما صندوق الضمان الاجتماعي قد يسجل أولى عجز له في 2038. أما النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، فرغم احتياطاته الكبيرة، فلن يصمد بدوره بعد منتصف القرن.
ورغم جسامة هذه المؤشرات، تواصل “حكومة عزيز أخنوش” خطابها حول “ورش الإصلاح الشامل” دون أن تقدم أجوبة مقنعة عن تفاصيله، تاركة الانطباع بأن الأمر مؤجل إلى إشعار آخر. وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي فتحت بالفعل قنوات اتصال مع النقابات لتحديد تاريخ الاجتماع الأول للجنة التقنية، الذي يرتقب أن يُعقد في النصف الثاني من شتنبر الجاري. لكن، وفق مصادر نقابية، لا وجود إلى حدود الآن لأي تصور عملي حول طبيعة الإصلاح المنتظر، ولا ضمانات بشأن الكلفة التي قد يتحملها الأجراء.
هذا الغموض يثير تساؤلات حول حسابات الحكومة. فالإصلاحات الجوهرية التي أوصت بها اللجنة الوطنية منذ 2013، من رفع سن التقاعد تدريجياً إلى 65 سنة، وزيادة نسبة المساهمات، وتغيير أسس احتساب المعاشات، لم تُطبق سوى جزئيًا. والنتيجة أن كرة الثلج تكبر عامًا بعد آخر، فيما تُفضل السلطة التنفيذية تأجيل الحسم إلى أن تصبح الأزمة عصية على التدبير.
في هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي محمد الرهطوط أن ما يجري “ليس سوى ترحيل للمشكل إلى ما بعد الولاية الحالية”، مؤكدًا أن “الحكومات المتعاقبة، بما فيها الحكومة الحالية، اختارت شراء الوقت بدل مواجهة التكلفة السياسية للإصلاح. لكن كل تأجيل إضافي سيجعل فاتورة الإنقاذ تُدفع من المال العام، أي من جيوب دافعي الضرائب”.
وتابع “الرهطوط” في اتصال هاتفي مع نيشان “أن الأزمة تكشف هشاشة بنية سوق الشغل أكثر مما تكشف اختلالات مالية، مشيرا الى أنه “لا يمكن إصلاح صناديق التقاعد بينما أكثر من ستة ملايين عامل خارج أي تغطية.
ويرى المتحدث ذاته، أنه ما لم تتم معالجة مشكلة القطاع غير المهيكل وإدماج العاملين فيه ضمن الدورة الاقتصادية، فإن أي إصلاح سيكون ناقصًا ومؤقتاً”.
لكن خلف هذه المعطيات التقنية، يلوح بعد سياسي لا يقل أهمية. فالحكومة التي يقودها عزيز أخنوش رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، تدخل العام الأخير من ولايتها، وتدرك أن أي إصلاح جذري للتقاعد سيصطدم حتما بغضب اجتماعي، خصوصًا إذا تعلق الأمر برفع سن التقاعد أو الزيادة في المساهمات. ومع اقتراب الانتخابات التشريعية المقبلة، يبدو أن خيارها هو تأجيل القرارات الصعبة، والاكتفاء بخطابات طمأنة لا تغير من الواقع شيئاً.
من جهتها، تصر النقابات على أنها لن تقبل بأن يتحمل الموظفون والأجراء وحدهم كلفة الإصلاح. مصادر نقابية أشارت إلى أن المركزيات تستعد لدخول الاجتماعات التقنية بملفات ودراسات مضادة، في محاولة للضغط على الحكومة وإجبارها على البحث عن حلول عادلة، تشمل مساهمة أرباب العمل وتوسيع قاعدة المنخرطين بدل الاقتصار على جيوب الفئات نفسها.
وبين هذا وذاك، تظل المفارقة أن هذه النقاشات تجري في ظل خطاب رسمي يبشر بدولة اجتماعية جديدة، من خلال ورش تعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية. غير أن هذا الطموح يصطدم بواقع صناديق تقاعد على وشك الإفلاس، وملايين المغاربة مهددين بالشيخوخة بلا أي معاش. وهو تناقض يضع شعارات “الدولة الاجتماعية” على المحك، ويثير مخاوف من أن يتحول إلى أزمة ثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.







