استعار رئيس الحكومة لسان مصطفى بايتاس في الحوار الخشبي الذي نزل فجأة على المغاربة دون أن يقدم أي جديد…باستثناء أن الملياردير عزيز أخنوش يعيش في مغرب لا يسير بنفس سرعة المغرب الذي علِق فيه الملايين أو ماتوا وهم يحاولون الهرب منه.
أخنوش حمل معه سطل صباغة كبير من مستودع بايتاس ورسم المغاربة “فرحانين”، وبالقرب منهم ستة ملايين نعجة وخروف وُلِدوا حديثًا بعد أن ضاع منا العيد.
كما رسم المرضى بابتسامة كبيرة وهم يرفعون يدهم بالدعاء للحكومة لأنها فتحت ميزانية الدولة لغول جديد في عالم المصحات تحت غطاء الدولة الاجتماعية… هذا طبعًا بعد أن وضع “البلونكو” على الوعود التي تَخَبرت، وعلى رأسها مليون فرصة شغل.
اللوحة التي رسمها أخنوش فيها خربشات كثيرة عن مغرب لا ننكره… بل لا نعرفه، ولا يعيش فيه السواد الأعظم من المغاربة الذين صاروا يتقاتلون يومًا بعد يوم مع الغلاء، وتكاليف التدريس، وفواتير الماء والكهرباء، وقروض السكن التي تشبه أحكام المؤبد.
يكفي الهراء الذي يوزعه علينا بايتاس أسبوعيًا، وهو يتحدث نهاية كل مجلس حكومي عن الأرقام التي تؤكد أن حكومة أخنوش “أحسن حكومة في تاريخ المغرب”، وهو محق في ذلك ما دام الرجل تحوّل من معلم إلى واحد من الأعيان الطارئين بفضل “اللقط” الكثير الذي تنثره الحمامة في طريقها.
لن نلوم أخنوش على أجوبته ما دامت من جنس الأسئلة الجاهزة، التي كانت بمثابة “أسيست” لتلميع صورة رجل كان نجم حملة المقاطعة.
المغرب الذي رسمه أخنوش، وللمفارقة، يتناقض مع ما ورد في خطابات الملك من فشل النموذج التنموي، ومن وجود مغرب يسير بسرعتين. وحتى حديث أخنوش عن استرجاع الخراف لفُحولتها والنعاج لخصوبتها لتلد لنا ستة ملايين في شهرين، يتناقض بشكل قاطع مع تأكيد الملك أن وضعية القطيع مقلقة.
من حق أخنوش أن يقول ما يشاء، فالكذب حلال في عالم السياسة، لكن من حقنا أن نسأله عن تضارب المصالح الذي يلاحقه مثل سرب ذباب، بعد أن ابتلع صفقات بمئات الملايير بقبعة رئيس الحكومة، بما فيها صفقة تحلية مياه البحر التي حاول أن يقوم بتبييضها، هذا دون الحديث عن صفقة غاز تندرارة وغيرها كثير.
الغريب أن خرجة أخنوش تزامنت مع “سلوكية” أخرى أطلقها هذه المرة السي شكيب بنموسى، الذي توقعنا منذ البداية أن يستعمل نفس سطل الصباغة ونفس اللون المفضل عند يايتاس و أخنوش، بعد منحه منصب المندوب السامي للتخطيط خلفًا للحليمي.
بنموسى، الذي جربناه كوزير للداخلية وسفير وعراب للنموذج التنموي ووزير للتربية والرياضة، قال إن المغرب قضى على الفقر المدقع، الذي يعني وفق مؤشرات 2017 العيش بدولارين في اليوم.
لن نستغرب حديث بنموسى ما دامت حكومة المعجزات قالت إن 500 درهم التي تقدمها للأسر كفتات شهري شجعت على الكسل، وإن الناس “ضسرت وشبعت فلوس” ولم تعد ترغب في العمل، بسبب سخاء الحكومة وفق ما أكده مسؤول حكومي.
اليوم، أن تكون مغربيًا وتتقاضى أكثر من دولارين في اليوم، التي هي بالمناسبة ثمن كوب قهوة في الأحياء الراقية، فهذا يعني أنك بعيد عن عتبة الفقر المدقع.
مثل هذا الكلام يعني أن السي بنموسى إما يجهل سعر صرف الدولار مقابل الدرهم، أو أنه أصبح مدمنًا على خطاب “كولوا العام زين”، الذي أفرط فيه عدد من الوزراء، ممن كانوا يتباكون حتى وقت قريب على الحالة الاجتماعية والاقتصادية للمغاربة وعلى رأسهم بايتاس.
الكراسي أصل المآسي، وهو قول ينطبق على عدد من المسؤولين الذين غيروا جلودهم وألسنتهم، واجتهدوا أكثر من اللازم في التطبيل لإنجازات ليس لها أي تأثير مباشر على المواطنين، وبالأخص الفقراء منهم، وهي نفس الفئة الاجتماعية التي تحاول هذه الحكومة الركوب عليها لتفكيك منظومة الدعم والزيادة في الأسعار.
يكفي أن رئيس الحكومة وجميع المسؤولين المغاربة غرقوا في صمت مطبق، بعد أن صار بحر سبتة يرمي يوميًا بجثث أبناء هذا الوطن، ليدفنوا في قبور بأرقام.
اليوم، لم يعد البحر الأبيض المتوسط وحده من يستحق لقب المقبرة، بل صار للمحيط الأطلسي بدوره نصيب وافر من جثث الهاربين من الفقر والبطالة.
لقد كنا نتوقع أن يكون سيل هذه الفواجع كافيًا لخلق نقاش عمومي كفيل بطرد سحب اليأس، الذي تغوّل في نفوس الكثيرين، ممن أيقنوا أن الوطن تنكر لهم، ليفقدوا الأمل في حدوث تغيير ينعكس على واقع الناس، في بلد قال البنك الدولي إنه متخلف عن أوروبا بأربعة قرون، فيما لا يبعد عنها سوى بأربعة عشر كيلومترًا.
اليوم، ومع هذه الحكومة، عادت حمى “الحريك” إلى أوجها، وصار الآلاف يتزاحمون ويطرقون جميع الأبواب، بحثًا عن فرصة للهرب من بلدٍ توجد فيه جميع العوامل المحفزة على اليأس، مرورًا بالفساد المستشري، وصولًا لتردي خدمات التعليم والصحة والسكن، وانعدام فرص الشغل، والجريمة، والفقر، والتهميش.
المفارقة أن شركة أفريقيا للمحروقات، المملوكة لرئيس الحكومة، أطلقت حملة دعائية ضخمة تحت شعار: “نشدو كاملين الطريق”.
اليوم، ومع هذا العبث الكبير الذي نغرق فيه على أكثر من مستوى، يتأكد أن الوحيد الذي “خاصو يشد الطريق” هو أخنوش ومن معه.







