في هذا الحوار، يتناول الخبير والمحلل السياسي أحمد نور الدين التطورات المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط من خلال أربع زوايا رئيسية: واقع الحرب الراهنة، العوامل التي تغذي تمددها، سبل كبحها، والمسارات المحتملة للمستقبل.
ويرى نور الدين أن المنطقة لا تنتظر حربًا كبرى بل تعيشها بالفعل، حيث تشهد عدة دول عربية صراعات مباشرة أو هجينة، بينما تمتد انعكاسات الحرب إلى كل دول المنطقة بما فيها الخليج، مصر، الأردن وتركيا. ويعتبر أن إسرائيل تسعى إلى توسيع رقعة الحرب بهدف تحقيق مشروعها التاريخي القائم على التهجير والتطهير العرقي، في ظل عجز المجتمع الدولي وتواطؤ بعض القوى.
كما يوضح أن وقف الحرب يظل رهينًا بتدخل دولي حازم من الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، غير أن الواقع يكشف ازدواجية المعايير مقارنة بحرب أوكرانيا. أما على المستوى العربي، فيبقى تفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك حلمًا بعيد المنال بسبب التشتت والصراعات البينية.
ويخلص الحوار إلى أن غياب الردع العربي والعقوبات الدولية والدعم الغربي غير المحدود لإسرائيل يجعل من المستقبل القريب أكثر قتامة، مع الإشارة إلى أن المقاومة الشعبية تبقى الخندق الأخير للدول العربية التي لم تنجر بعد إلى الفوضى.
نص الحوار:
1. هل الشرق الأوسط على مشارف حرب كبرى؟
الشرق الأوسط يعيش حربا كبرى الآن وليس في المستقبل. فإذا استعرضنا الحيز الجغرافي الواقع بين النيل والفورات، سنجد أن خمس دول من أصل ثلاثة عشر دولة عربية تعيش حربا مباشرة، وما تبقى من الدول تعيش حروبا هجينة يتشابك فيها ما هو دولي وما هو إقليمي وما هو داخلي أو اهلي. وهذا التوصيف ينطبق على كل من العراق وسورية ولبنان وفلسطين واليمن. وبالاضافة الى الدول العربية نجد ايران التي كانت تساهم عبر أذرعها الطائفية في هذه الحروب، قبل أن تُقحِمها الدولة العبرية عُنوة في حرب مباشرة أصبحت تُعرف بحرب الاثني عشر يوما.
أما تركيا ومصر والأردن فهي تتحمل تبعات الحروب في المنطقة سواء كأعباء اقتصادية أو من خلال استقبال ملايين المهحرين خاصة منهم السوريين وتأثر السياحة وغيرها من الانعكاسات السلبية للحرب. ولم تنج دول الخليج الستة هي الأخرى من تلك التبعات على اقتصاداتها، بل إنها هي الاخرى عرفت الاشتباك المباشر مع الحوثيين في اليمن منذ 2016، وقد وصلت طائراتهم المُسيرة وصواريخهم إلى الإمارات والسعودية وأصابوا أكبر حقل سعودي للنفط سنة 2019. وأخيرا شنت إسرائيل غارة جوية على دولة قطر كانت تستهدف اغتيال كل أعضاء الوفد الفلسطيني للمفاوضات حول وقف الحرب!
إذن عمليا كل دول المنطقة تعيش الحرب بشكل أو بآخر.
2. ما العوامل التي تعزز تمدد الحرب في المنطقة؟
بالنسبة لعوامل توسيع نطاق الحرب، يمكن الجزم أنّ إسرائيل تسعى إلى توسيع نطاق الحرب لتحقيق هدفها المعلن وهو التطهير العرقي في قطاع غزة ومن بعد ذلك في الضفة الغربية من خلال التهجير القسري للفلسطينيين نحو سيناء والأردن، والذي كان دائما يقدم في الأدبيات الاسرائيلية كوطن بديل للفلسطينيين. وهذا الهدف ليس وليد اليوم ولكنه هدف تاريخي للحركة الصهيونية العالمية التي خططت لإقامة دولة يهودية خالصة فوق ارض فلسطين التاريخية، وقد اكد ذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو مؤخرا في حوار مع قناة اسرائيلية اواسط شهر غشت 2025 حين قال بأن الحرب التي يقودها حاليا تعتبر “مهمة تاربخية ودينية”. ولا ننسى أيضا أن الكِنيست صوت على قانون يهودية إسرائيل منذ 2018، وما يقوم به اليوم نتنياهو يعتبر وجها من اوجه تنفيذ ذلك “القانون”.
وهناك أيضا عوامل أخرى تساعد على توسيع الحرب واستمرارها ومنها الصمت الدولي وخاصة عجز الامم المتحدة عن اتخاذ اي قرار لفرض وقف الحرب، في ظل الفيتو الأمربكي. وهناك أيضا غياب الرد القوي من طرف دول ظلت تهدد من بعيد، وحين تم استهدافها ظهر للعالم انها عاجزة عن أي ردع للعدوان، وفي مقدمة هؤلاء إيران التي تم الاعتداء على سيادتها خارج اي قرار “للشرعية الدولية” إن وُجدت، وتم استهداف قياداتها العسكرية العليا وهم على فراش نومهم، وتم اغتيال علمائها وتدمير مشآتها النووية خلال 12 يوما، في حين اكتفت طهران برد بارد وضعيف، بل واخبرت واشنطن بتوقيت ومكان الرد كما صرح بذلك الرئيس دونالد ترامب الذي شكر طهران على الاخبار، ثم توقفت عمليات ايران فجاة عكس كل شعاراتها الايديواوجية التي ظلت تروج لها طيلة خمسين عاما من عمر ثورتها الدينية. هذا السلوك الانبطاحي من أكبر دولة تصف نفسها بعدو الشيطان الأكبر، سيشجع اسرائيل على مواصلة حربها لأنها متأكدة انه ليس هناك من يردعها وأن الطريق أصبحت معبّدةً لتحقيق كل أحلام ثيودور هرتزل.
3. ما العوامل التي قد توقف تمدد الحرب في المنطقة ؟
هناك عوامل داخلية وأخرى خارجية من شأنها إذا توفرت أن توقف تمدد الحرب في المنطقة. العوامل الدولية يأتي في مقدمتها اتخاذ الأمم المتحدة قرارات تفرض وقف الحرب فورا تحت طائلة البند السابع من ميثاقها، مع فرض عقوبات اقتصادية على الدولة العِبرية، وحضر توريد الأسلحة وتجميد الأرصدة وغيرها من الاجراءات التي ينص عليها الميثاق الأممي والقانون الدولي.
خارج الامم المتحدة، يمكن ايضا للاتحاد الأوربي اتخاذ إجراءات زجرية اقتصادية وعسكرية ضد إسرائيل، وأذكر هنا بالخصوص ماقامت به بروكسل ضد روسيا رغم أن الحرب في أوكرانيا محدودة النطاق وليس فيها تطهير عرقي ولا جرائم إبادة، ومع ذلك فقد عبأت الدول الأوربية مئات المليارات من الدولارات لدعم اوكرانيا بالسلاح والعتاد، وفرضت عقوبات اقتصادية وتجارية واسعة النطاق على روسيا، واصدرت قرارات ردعية في البرلمان الأوربي والمفوضية الأوربية ومجلس حقوق الإنسان. اما في حرب الابادة في غزة فلا شيء من ذلك ضد اسرائيل، وهذا يعري الدول الأوربية ومزاعمها في الدفاع عن يوتوبيا القانون الدولي وحقوق الإنسان وحماية المدنيين خلال الحروب، وغيرها من السرديات الأوربية والغربية التي ظلوا يواجهون بها روسيا زورا وبهتانا، وظلوا يهددون ويهشون بها كعصى موسى على غنم دول العالم الثالث لابتزاز الصفقات الاقتصادية والعسكرية لصالحهم وإبقاء تلك الدول تحت السيطرة. وهذا التواطؤ الأوروبي والأمريكي والأممي هو أكبر عامل يشجع إسرائيل على مواصلة الحرب وتوسيع نطاقها.
أما على المستوى الداخلي العربي، فهذا مجرد حٌلُم طوباويّ أن يتم تفعيل ميثاق الجامعة العربية وخاصة بنود اتفاقية الدفاع المشترك، وأن يتم إعلان إجراءات زجرية ضد الكيان العِبري بشكل تصاعدي، بدءاً من حظر جوي وبحري على الطيران والسفن المتوجهة من وإلى إسرائيل عبر المضايق والممرات البحرية التي تتحكم فيها الدول العربية ومنها قناة السويس وباب المندب ومضيق هرمز، ووقف كل المبادلات التجارية ومنع وصول الغاز الطبيعي وإمدادات الكهرباء من الدول العربية نحو اسرائيل، وغيرها من الإجراءات الاقتصادية الأخرى، وصولاً إلى إعلان الحرب في حال تعرضت اي دولة عربية لهجوم كالهجوم الأخير على قطر. ولكن هذا الخيار يبقى شبه مستحيل في ظل تشتت الصف العربي والمشاكل بين معظم الدول العربية.
4. ما المسارات المرتقبة ؟
أخشى أن أقول بأنه في غياب الردع العربي المشترك، وفي غياب العقوبات الدولية وفي ظل شلل الأمم المتحدة بسبب الفيتو وغير الفيتو، وفي ظل الدعم الامريكي العسكري المباشر والسياسي غير المحدود لإسرائيل، وفي ظل المصالح الاستراتيجية للصين مع اسرائيل، وفي ظل ازدواجية الموقف الروسي واللعب على كل الحبال، وفي ظل انبطاح إيران بعد حرب الاثني عشر يوما التي شنتها عليها اسرائيل وقبلها تصفية الجنرال الايراني قاسم سليماني وتصفية حزب الله وبنيته الاساسية ومعظم قياداته في لبنان، وفي ظل تفكك اغلب الدول العربية التي عرفت ثورات الرببع العربي، وفي ظل الازمات الاقتصادية والسياسية والإقليمية في دول عربية اخرى، وفي ظل الانقسام بين بعض دول الخليج، وغيرها من المعطيات السوداوية، لا يبدو في الأفق أي بصيص من الأمل لردع أو عمل عربي مشترك، وهذا ليس تشاؤما بل قراءة واقعية للأحداث الجارية في الدول العربية. والخندق الوحيد الذي بقي هو المقاومة الشعبية وتحصين الجبهة الداخلية لكل الدول العربية وخاصة الدول التي لم تسقط بعد في الفوضى “الخلاقة” التي بشرت بها واشنطن منذ عقدين من الزمن. ويبدو أن الدول العربية لم تأخذ تهديدات العم سام آنذاك على محمل الجد، أو على الأقل كل ثور ظنّ أن العم سام سيأكل الثيران الأخرى فقط ويتركه سالما.. ولكن ظهر الآن أن قاعدة العيديد في قطر ساهمت لوجستيا في توجيه الضربات للثور أو البقرة القطرية، فعلى من سيأتي الدور يا ترى في الفترة القريبة المقبلة؟!







