مازال مشروع القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي يثير جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والنقابية والطلابية، وهذه المرة من زاوية الهوية الجامعية وما يرتبط بها من قيم ومبادئ. فقد دخلت المجموعة النيابية للعدالة والتنمية على خط النقاش من خلال سؤال كتابي وجهته النائبة سلوى البردعي إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار عز الدين الميداوي، اعتبرت فيه أن النص الجديد يشكل تراجعاً خطيراً عن المقتضيات التي لطالما ضمنت للجامعة المغربية ارتباطها بالثوابت الدينية والوطنية.
البرلمانية لفتت الانتباه إلى أن مشروع القانون حذف بشكل صريح التنصيص على التمسك بالعقيدة الإسلامية وقيمها، واكتفى بالإشارة الغامضة إلى “البعد الروحي”، وهو ما رأت فيه إضعافاً لجوهر الهوية في منظومة التعليم العالي. كما أثارت قضية إقصاء رئيس المجلس العلمي الجهوي من تركيبة مجلس الجامعة ومجلس الأمناء، رغم توصية واضحة من المجلس الأعلى للتربية والتكوين بضرورة الحفاظ على هذا التمثيل.
هذا البعد المتعلق بالهوية يضاف إلى جملة انتقادات أخرى سبق أن أطلقتها هيئات نقابية وطلابية، منبهة إلى أن النص المقترح لا يقتصر على إفراغ الجامعة من بعدها القيمي، بل يفتح الباب أمام منطق المقاولة وخوصصة القطاع. فالنقابة الوطنية للتعليم العالي حذرت من “نكسة ديمقراطية” بعدما أحيل المشروع على البرلمان دون توافق مسبق، فيما أعلنت فصائل طلابية يسارية عن وقفة احتجاجية السبت المقبل أمام البرلمان دفاعاً عن مجانية التعليم والحق في التنظيم داخل الجامعة.
وفي خلفية هذا الجدل، تؤكد الحكومة أن القانون يأتي لتفعيل مقتضيات القانون الإطار 51.17، وأن الهدف منه هو تحديث التعليم العالي وتعزيز مساهمته في التنمية، عبر تنويع مصادر تمويل الجامعات وإشراك القطاع الخاص والجماعات الترابية، إلى جانب إحداث مجلس الأمناء الذي يضم ولاة الجهات وشخصيات اقتصادية وعلمية. غير أن معارضي المشروع يرون أن هذه المقاربة تنذر بإضعاف الاستقلالية الأكاديمية وبتهميش دور الفاعلين المباشرين داخل الجامعة.
وبين تبريرات الحكومة وتحذيرات النقابات والبرلمانيين، يظل مشروع القانون أمام محطة تشريعية محفوفة بالتساؤلات حول ما إذا كان سيعيد صياغة مستقبل الجامعة المغربية على حساب هويتها ومجانية خدماتها، أم أنه سيُعدّل في اتجاه يوفق بين متطلبات التنمية والحفاظ على الثوابت الوطنية.







