لا يعقل أن نتحدث عن حق المواطن في الاحتجاج السلمي، وفي اليوم الموالي نعطي أوامر للهراوات لقمعه…
هذا الواقع يطرح سؤالًا حول من يملك سلطة القرار الأمني، ومن يتحمل المسؤولية في التعاطي مع الاحتجاجات ومع ما تخلفه من أضرار حقوقية فادحة في بعض الأحيان، كما حدث في واقعة الركل الشهيرة أمام البرلمان التي كان بطلها عميدًا في الأمن، والتي تم التعهد بفتح تحقيق بشأنها، قبل أن يتضح أنه مجرد وعد غير ملزم، هدفه الأساسي هو احتواء الخسائر التي لحقت بصورة المؤسسة الأمنية.
اليوم، احتجاجات “جيل زد” لا ترفع شعارات سياسية.. بل تطالب فقط بحقوق قديمة صادرتها الدولة بعد أن فتحت الباب مشرعًا للقطاع الخاص من أجل استنزاف جيوب المغاربة، كما يحدث في قطاعات الصحة والتعليم والسكن.
هناك منشور صريح لوزير العدل سابقًا حمل رسالة واضحة بضرورة احترام القانون، وعدم الوقوع في أي تجاوزات، في حال توظيف القوة العمومية لفض التجمهر، بعد أن أكد على ضرورة الحرص على التطبيق السليم للقانون، ودعا وكلاء الملك بالمحاكم المغربية إلى إشعاره بكل الصعوبات التي قد تعترضهم…
لكن ما حدث بعد ذلك كشف أن وصفة التعاطي مع الاحتجاجات بالمغرب جاهزة ومجربة سلفًا، ولا تحتاج لتنقيحات حقوقية أو قانونية، وهو ما يكشف عن ازدواجية خطيرة يتعين على الحكومة القطع معها، خاصة بعد الأحداث التي شهدتها مدينة طنجة، والدار البيضاء، والرباط بعد قيام القوات العمومية بتعنيف المحتجين بشكل لا يتناسب مع سلمية الوقفات.
هذا التناقض يطرح نفسه بقوة، بعد أن بلعت الحكومة لسانها في عديد المناسبات التي تدخلت فيها القوة العمومية لقمع احتجاجات سلمية، واعتبرت أن هذا الملف يخرج عن دائرة اهتمامها أو اختصاصاتها، علمًا أنها مسؤولة في المقام الأول من الناحية الدستورية، فرغم أن الاختصاص يعود لوزير الداخلية، إلا أننا وبعد دستور 2011 لم نعد نتحدث عن وزارات للسيادة، فرئيس الحكومة وفق المقتضيات الدستورية هو قائد الأوركسترا الحكومية، وبالتالي فوزير الداخلية يجب أن يكون تحت إمرته.
التناقض الحاصل في التعاطي مع الاحتجاجات بين الأمني والحقوقي، على الأقل من ناحية الخطاب الرسمي، يعيد إنتاج نفس المشاهد، إما لضعف النخبة الحالية، أو لاعتبارات سيكولوجية مفادها أنه لازالت هناك مجالات محفوظة يتعين عدم الاقتراب منها، وبالتالي بقيت مجالات للتحكم، الذي يفتح الباب واسعًا للخلل والتناقض.
والواقع أن دستور 2011 منح صلاحيات واسعة لرئيس الحكومة، وأن مجال الداخلية ليس حكرًا على جهة معينة، وبالتالي يتعين على رئيس الحكومة أن يتحمل مسؤوليته، باعتبار أن الأمر يدخل ضمن المجال الحكومي، لكن للأسف، الحكومة الحالية تعيش نفس التجارب السابقة، وبالتالي نجد أن السلوك السياسي في واد، والمجال المؤسساتي والدستوري في وادٍ آخر، وهو ما ينسحب على جميع المجالات، وليس فقط في الشأن الأمني، حيث نسجل الغياب التام لرئيس الحكومة، وكأن هذا الملف لا يعنيه.
احتجاجات “جيل زد” أصبحت واقعًا، والجواب عنها ليس في علبة سوداء يتحكم فيها وزير الداخلية، بل إن الحكومة بأكملها مسؤولة، ويتعين عليها إيجاد حلول للمشاكل ذات البعد الأمني، وعلى رئيس الحكومة أن يجيب بطريقة واضحة وشفافة، “عوض الحديث بكلام غامض، والاختباء وراء التصريحات للقفز على المشكل الأساسي”، على رئيس الحكومة أن يدرك بأنه أمام شباب بوعي سياسي، أصبحت له قدرات تنظيمية تلقائية، وإلمام ومعرفة، ولم يعد بحاجة لإثارة الفوضى، وهو ما سيجعل الحكومة في ورطة سياسية، سيدفع حزب التجمع ثمنها بشكل أساسي.
جزء كبير من هذا الإشكال مرده وجود رأسين للجهاز الأمني: رأس حكومي ظاهري، ورأس خفي هو من يتحكم في الأمر، وبالتالي على الحكومة أن تعالج هذه الازدواجية إذا ما أرادت أن تردم الهوة الحالية بين ما يحدث في الواقع، وبين الخطاب الرسمي عن حقوق الإنسان والمواطنة، وحق المغاربة في مطالب اجتماعية.
تجاوز مثل هذا السلوك مرتبط في الأساس بصدور القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للأمن، الذي سيرسم الحدود الفاصلة لكل جهة، ويقطع ما يحصل حاليًا من تهرب مكشوف من الصلاحيات أو ركوب عليها.







