في الوقت الذي تتقاطع فيه تحذيرات المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والوكالة الدولية للطاقة، بشأن المخاطر الوجودية التي يشكلها إغلاق مضيق هرمز على سلاسل التوريد العالمية، يجد المغرب نفسه أمام اختبار دقيق يتجاوز في أبعاده مجرد تذبذب الأسعار في الأسواق الدولية، ليصل إلى جوهر النقاش الوطني حول السيادة الطاقية.
فمع توقف حوالي 20% من إمدادات النفط والغاز المسال عالمياً، تصاعدت الأصوات الاقتصادية داخل المملكة التي تدعو إلى استحضار ملف مصفاة “سامير” المتوقفة عن العمل منذ سنوات، ليس كملف قانوني أو قضائي فحسب، بل كرافعة استراتيجية لتعزيز المخزون الوطني وضمان تدفق المشتقات النفطية في ظل سيناريوهات شح الإمدادات الصيفية.
وتشير تقديرات خبراء في الطاقة، إلى أن الاعتماد الكلي على استيراد المواد البترولية المكررة من الخارج يضع الاقتصاد المغربي في وضع “هش” أمام أي اضطراب في الممرات البحرية الدولية، وهو ما يجسده تماماً تعطل مصفاة المحمدية التي كانت توفر جزءاً مهماً من الحاجيات الوطنية وتلعب دوراً محورياً في عمليات التخزين.
ويرى هؤلاء الخبراء أن إغلاق “هرمز” قد كشف عن فجوة هيكلية في استراتيجية التموين، حيث تفرض القوانين الوطنية ضرورة الحفاظ على مخزون احتياطي يكفي لمدة 60 يوماً، غير أن غياب قدرات التكرير المحلية يجعل المغرب في سباق مع الزمن لتأمين شحنات بديلة قد تكون أكثر تكلفة وأبطأ في الوصول، مما يضغط بشكل مباشر على ميزان الأداءات واحتياطي العملة الصعبة.
وفي سياق متصل، تؤكد مصادر مطلعة أن الحكومة تجد نفسها اليوم تحت ضغط مزدوج؛ فهي من جهة مطالبة بالتدخل لتخفيف تداعيات ارتفاع أسعار المحروقات على القدرة الشرائية للمواطنين، ومن جهة أخرى ملزمة بوضع استراتيجية احترازية لتجنب أي انقطاع في التزويد خلال ذروة الطلب الصيفي التي تتزامن مع عودة مغاربة العالم وارتفاع استهلاك الطاقة.
وتضيف هذه المصادر في حديث لـ نيشان” أن النقاش داخل اللجان التقنية انتقل من بحث حلول “ظرفية” إلى دراسة إمكانية تفعيل تدابير استثنائية لصيانة وتشغيل مرافق التخزين التابعة للمصفاة بشكل عاجل، حيث يُنظر إليها كصمام أمان وطني في أوقات الأزمات الجيوسياسية الخانقة، وهو طرح يلقى صدى متزايداً لدى الفاعلين السياسيين الذين يرون في الأزمة الحالية فرصة لإعادة تقييم مسار السيادة الطاقية للمملكة.
وعلى الرغم من الرهانات الحكومية على تسريع مشاريع الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، إلا أن الخبراء الاقتصاديين يجمعون على أن هذا التحول يتطلب مدى زمنياً متوسطاً إلى طويل، مما يجعل الوقود الأحفوري المحرك الأساسي للاقتصاد في الأمد القريب.
وبناءً على ذلك، ترى المصادر أن الصيف الحالي قد يكون “نقطة تحول” في التعاطي مع ملف “سامير”، حيث لم يعد الأمر يتعلق بربحية المصفاة أو منازعاتها القانونية، بل بمدى جاهزية المغرب لمواجهة صدمات العرض في سوق عالمية تزداد اضطراباً، وهو ما يفرض على السلطات العمومية تقديم إجابات واضحة ومباشرة حول مدى كفاية المخزون الاستراتيجي الحالي وقدرته على الصمود أمام احتمالات استمرار إغلاق المضيق لأشهر إضافية، بعيداً عن التوقعات المتفائلة التي تراهن على انفراج سريع للأزمة.







