برز قضية “الوسم الكيميائي” كإجراء جديد يُثير جدلاً واسعاً بين وزارة الانتقال الطاقي وأرباب محطات التوزيع، خصوصاً الصغار منهم. هذا الوسم، الذي يهدف إلى مكافحة التهريب والتلاعب في جودة المحروقات، تحول إلى نقطة توتر تهدد بشل العديد من المحطات، وتكشف عن عمق الأزمة التي يعاني منها القطاع.
في هذا السياق، اتهم الحسين اليماني، رئيس الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول، الحكومة بالتقاعس عن مواجهة الممارسات غير القانونية المنتشرة في السوق، وعلى رأسها “السوق السوداء” و”الكرابة”. وأكد اليماني أن هذه الفوضى لا تضر فقط بالمنافسة العادلة بين الفاعلين، بل تهدد الأمن الطاقي للبلاد، ما يستدعي تحركاً جاداً وفورياً.
الإجراء الجديد الذي اعتمدته وزارة الانتقال الطاقي يقوم على إضافة محلول كيميائي مميز لكل شحنة محروقات مستوردة، لتسهيل تتبعها وكشف التهريب. فكرة الوسم ليست بجديدة، فقد تم تطبيقها بنجاح في قطاعات أخرى مثل المشروبات الكحولية، لضمان جودة المنتج وتحميل المستورد المسؤولية الكاملة.
لكن، كما يوضح اليماني، تكمن المشكلة في أن هذا الوسم يثقل كاهل المحطات الحرة والصغيرة التي تعتمد على كبار الموزعين لشراء المحروقات، إذ أنها تفتقر إلى القدرة على الاستيراد المباشر، مما يضعها في موقف هش قد يؤدي إلى إفلاسها في ظل غياب منافسة عادلة.
المغرب، الذي كان يعتمد في السابق على مصفاة “لاسامير” المحلية في تأمين حاجياته من المحروقات، وجد نفسه اليوم مضطراً للاعتماد الكلي على الواردات بعد إغلاق هذه المصفاة ووضعها تحت التصفية القضائية. هذا التحول جعل السوق أكثر عرضة لهيمنة كبار الموزعين الذين يفرضون شروطهم على الدولة وأصحاب المحطات، دون رقابة فعالة، ما يعيد إلى الأذهان ما وصفه اليماني بـ”ابتزاز جديد” بعد مرحلة “ابتزاز لاسامير”.
واحدة من الظواهر التي باتت تثير قلق الفاعلين هي “الكرابة”، أي البيع غير النظامي للمحروقات عبر وسطاء غير قانونيين يوزعونها في ورشات العمل والمناطق الصناعية وحتى داخل الأحياء السكنية، بعيداً عن مراقبة السلامة والجودة. وتكشف المصادر أن الشركات الكبرى تتقاسم أرباحاً ضخمة مع هؤلاء الباعة غير النظاميين، بينما تجد المحطات الحرة نفسها تحت ضغط متزايد، ما يدفع بعضها إلى اللجوء بدورها إلى السوق السوداء للبقاء.
كما أن ضعف آليات الرقابة يجعل من الصعب تتبع جودة المحروقات منذ دخولها الموانئ وحتى وصولها إلى المستهلك النهائي. هذا النقص في المتابعة يؤدي إلى تدهور جودة المنتج وظروف التخزين والنقل، في ظل تخوف الدولة من اتخاذ إجراءات صارمة قد تعيق استمرارية التزويد في السوق.
في ضوء هذه التحديات، يؤكد الحسين اليماني على ضرورة العودة إلى التكرير المحلي كمفتاح أساسي لاستقرار السوق وضمان الأمن الطاقي، مبرزاً أن هذا الحل وحده قادر على كسر حلقات الاحتكار والابتزاز. كما دعا إلى إعادة النظر في وضعية المحطات الحرة، ومنحها حرية التزود من أي موزع وفق شروط شفافة، ما يخلق منافسة حقيقية تخدم مصالح المستهلكين.
كما شدد على أهمية تشديد المراقبة والعقوبات على كل من يروج للتهريب أو يعبث بجودة المحروقات، لضمان سوق نزيهة ومستقرة تخدم الاقتصاد الوطني.







