عاد ملف النقل الصحي إلى واجهة النقاش داخل المنظومة الصحية، بعد أن حذّرت النقابة المستقلة للممرضين مما وصفته بـ “المغامرة اليومية” التي يعيشها الممرضون وتقنيو الصحة أثناء نقل المرضى بين المستشفيات، معتبرة أن المنظومة الحالية “تفتقر إلى أدنى شروط السلامة والتنظيم”، وأن المنشور الوزاري الأخير “لم يقدّم حلولاً حقيقية، بل اكتفى بالتذكير بما سبق”.
النقابة، في تقرير موجه إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي، نبّهت إلى أن سيارات الإسعاف تحولت إلى “فضاءات خطرة” تهدد حياة المرضى وسلامة الأطر الصحية، في ظل ضعف التجهيزات، ونقص الأطر المؤهلة، وتداخل الاختصاصات الإدارية والقانونية، ما يجعل الممرضين في مواجهة مباشرة مع مخاطر المهنة دون غطاء قانوني أو حماية مهنية. وحذّرت من أن كل رحلة إسعاف باتت “مغامرة غير محسوبة العواقب” يمكن أن تنتهي بمأساة إنسانية أو بمتابعة قضائية.
وجاءت هذه الانتقادات في وقت يواصل فيه الوزير التهراوي التأكيد، من خلال دوريات سابقة أبرزها الصادرة في شتنبر المنصرم، على ضرورة حماية مهنيي الصحة من الاعتداءات الجسدية واللفظية، وتوفير بيئة عمل آمنة وضمان التعويضات المستحقة لهم. غير أن النقابة ترى أن حماية الممرضين لا يمكن أن تتحقق ما لم تشمل أيضا الإطار القانوني والتنظيمي الذي يحكم مهامهم الميدانية، خصوصا في قطاع النقل الصحي الذي يشهد فوضى تنظيمية وخصاصا في الموارد والتجهيزات.
وأكدت النقابة أن عدداً من الإدارات المحلية والجهوية ما زالت تمارس “سياسة الأمر الواقع”، إذ تُجبر الممرضين على مرافقة المرضى دون مذكرات رسمية أو إمضاءات قانونية، تحت طائلة “الامتناع عن تقديم المساعدة لشخص في حالة خطر”، في وقت تفتقر فيه سيارات الإسعاف إلى المعدات الأساسية وشروط السلامة الدنيا. وأضافت أن غياب التنسيق بين المستشفيات يؤدي إلى احتجاز الأطر لساعات طويلة داخل مصالح الاستقبال والاكتظاظ بالمستعجلات، في حين تبقى التعويضات الممنوحة “هزيلة ولا تتناسب مع حجم المخاطر”.
وأشارت النقابة إلى أن المنشور الوزاري الصادر في أكتوبر الجاري، رغم تأكيده على أهمية “التنظيم الطبي” قبل نقل المرضى، لم يتطرق إلى الإشكالات الجوهرية التي يعيشها الممرضون وتقنيو الصحة، ولم يوضح مسؤولياتهم القانونية في حال حدوث أي مضاعفات أو وفيات أثناء النقل، كما تجاهل مطلب التنصيص على حمايتهم القانونية أثناء مزاولة مهامهم.
وفي ختام مراسلتها، طالبت النقابة المستقلة للممرضين بفتح نقاش وطني عاجل حول واقع النقل الصحي، وإصدار نص تنظيمي واضح يحدد مهام ومسؤوليات جميع الأطراف، مع تحسين تجهيزات سيارات الإسعاف وتوفير التعويضات العادلة، إلى جانب إشراك النقابة في بلورة السياسات التنظيمية المتعلقة بالنقل الصحي، وتنظيم دورات تكوينية حول السلامة والمسؤولية القانونية للأطر الصحية.
وتعيد تحذيرات النقابة إلى الواجهة مفارقة بارزة في ورش إصلاح المنظومة الصحية الذي ما فتأت تروج له “حكومة أخنوش”. فبينما يدعو الوزير التهراوي إلى حماية المهنيين وتجويد ظروف عملهم، يظل قطاع النقل الصحي، أحد أهم مفاصل الخدمة الطبية، غارقاً في غياب التنظيم وضعف الحماية، ما يجعل إصلاحه مؤشراً حقيقياً على صدقية الإصلاح الصحي المرتقب.







