في المغرب، لم تعد الولادة القيصرية خيارًا طبيا يُلجأ إليه عند الضرورة، بل تحوّلت إلى ممارسة شبه روتينية داخل كثير من المصحات الخاصة التي تفضّلها عن الولادة الطبيعية، ليس بدافع حماية الأم والجنين، بل لأسباب مادية بحتة. فبحسب أرقام رسمية حديثة، تبلغ نسبة العمليات القيصرية في بعض المصحات الخاصة بالمملكة 80 في المائة، أي ما يعادل أربعة أضعاف المعدل الموصى به من طرف منظمة الصحة العالمية، التي تحدد السقف المقبول ما بين 5 و15 في المائة.
هذه النسبة المهولة لا تعبّر فقط عن انزياح طبي خطير، بل تكشف كذلك عن اختلال عميق في منظومة الصحة الإنجابية، حيث باتت الولادة القيصرية أقرب إلى “صفقة مالية” تُدر الأرباح على المصحات والأطباء، وتُثقِل في المقابل كاهل الأسر وصناديق التأمين.
يقول الدكتور الطيب حمضي، الطبيب والباحث في السياسات الصحية، في تصريحات سابقة إن “العملية القيصرية تُعد تدخلاً طبياً حاسماً لإنقاذ حياة الأم والجنين، لكنها تفقد معناها عندما تتحول إلى إجراء روتيني لأسباب تجارية أو لتفادي طول مدة الولادة الطبيعية”. ويضيف “الوفاة خلال الولادة القيصرية قد تنتج عن التخدير أو التعفنات أو التخثرات، وهذه مضاعفات يمكن تفاديها إذا أُجريت العملية وفق دواعي طبية دقيقة وليس رغبات مادية”.
لكن الواقع مختلف تماماً. فحسب معطيات الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي “كنوبس”، فإن الولادات القيصرية تمثل أكثر من 80 في المائة من ملفات التعويض في المصحات الخاصة، وتستنزف لوحدها أكثر من 7 مليارات سنتيم سنويا من أموال الصندوق. هذه الأرقام دفعت “كنوبس” منذ عام 2019 إلى فرض مساطر جديدة، تُلزم الأطباء بتقديم تقرير طبي يبرّر ضرورة القيصرية قبل التعويض عنها، بعدما تبيّن أن آلاف الحالات لا تستند إلى أي مبرر طبي حقيقي.
علي لطفي، رئيس الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة، يرى أن “الولادة القيصرية في المغرب تحوّلت من إجراء استثنائي إلى باب للربح السريع”، موضحاً أن “كلفة الولادة الطبيعية تتراوح بين ألفين وخمسة آلاف درهم، بينما تصل كلفة القيصرية إلى ما بين عشرة وعشرين ألف درهم، بل أكثر في بعض المصحات التي تضيف فواتير إضافية باسم الخدمات الفندقية”. ويضيف في تصريحات إعلامية أن “هذا الفارق الكبير جعل بعض الأطباء والمصحات يروّجون للقيصرية كخيار آمن وسريع، رغم أن المخاطر الصحية على الأم أكبر بكثير، خاصة في الولادات المتكررة”.
وفي حين يعتقد عدد من النساء أن الولادة القيصرية أقل ألماً وأكثر “رفاهية”، تكشف شهادات كثيرة عن الجانب القاتم لهذه العمليات. فحادثة وفاة ثلاث نساء في يناير الماضي داخل مصحة خاصة بالدار البيضاء بعد خضوعهن لعمليات قيصرية أعادت النقاش إلى الواجهة، وأثارت غضباً واسعاً في الرأي العام، خاصة بعد أن أكدت عائلات الضحايا أن النساء كنّ في صحة جيدة قبل دخول المصحة، وأن العملية أُجريت دون مبرر واضح.
الطبيب الباحث حمضي يؤكد أن المغرب “لا يزال يسجل وفيات أمهات تتجاوز بستّ مرات المتوسط في الدول المتقدمة”، موضحاً أن “عدد الوفيات انخفض من 244 حالة لكل 100 ألف ولادة عام 2000 إلى 72 عام 2020، لكنه يظل مرتفعاً جداً بالنظر إلى الإمكانيات المتوفرة حالياً”.
من جهة أخرى، تكشف شهادات نساء خضعن للقيصرية طوعاً عن جانب اجتماعي وثقافي للظاهرة. فالكثيرات يخترن العملية خوفاً من “العنف أثناء الولادة الطبيعية” داخل بعض المستشفيات، وهو ما أكده تقرير مشترك لمنظمة الصحة العالمية واليونيسيف، أشار إلى أن 42 في المائة من النساء عبر العالم تعرضن للإيذاء اللفظي أو الجسدي أثناء الولادة. سعاد (35 عاماً) واحدة منهن، تقول إنها “لن تكرر تجربة الولادة الطبيعية بعد ما عانته من إهمال وإهانة في أول ولادة لها”، مضيفة: “القيصرية بالنسبة لي أرحم، على الأقل هناك معاملة محترمة”.
لكن خلف هذه “الراحة الظاهرية” تكمن مخاطر متعددة: من الالتهابات والتخثرات إلى مشاكل الحمل التالية وصعوبات الإنجاب. ويؤكد الأطباء أن الولادة القيصرية قد تنقذ حياة الأم أو الطفل في بعض الحالات، لكنها في المقابل ترفع احتمالات المضاعفات والوفيات عندما تُجرى دون مبرر طبي، خاصة في بلد لا تخضع فيه المصحات الخاصة لمراقبة صارمة، ولا تُفعّل فيه تقارير الوفاة الطبية بشفافية.
الأرقام تكشف أيضا اتساع الفجوة بين القطاعين العام والخاص. ففي حين لا تتجاوز نسبة القيصريات في المستشفيات العمومية 23 في المائة، فإنها تقفز في المصحات الخاصة إلى نحو 65 بل 80 في المائة في بعض المدن الكبرى مثل الدار البيضاء والرباط وفاس وأكادير، حيث تحولت الولادة الطبيعية إلى استثناء نادر. وتشير بيانات “كنوبس” الى ان المغرب تجاوز حتى دولاً صناعية كفرنسا والصين وتركيا في معدلات اللجوء إلى القيصرية.
الخطورة لا تكمن فقط في الأرقام، بل في “تطبيع” هذه الممارسة داخل الثقافة الطبية المغربية. فالعديد من الأطباء، وفق شهادات مهنية، يبررون اللجوء إلى القيصرية لتفادي أي مسؤولية قانونية في حالة حدوث تعقيدات خلال الولادة الطبيعية. كما أن بعض النساء يطالبن بها عن وعي أو جهل، تحت إغراء “الراحة” التي تسوّقها المصحات.
في النهاية، يجد المغرب نفسه أمام معادلة شائكة: من جهة نظام صحي يترك هامشاً واسعاً للربح التجاري في مجالات حساسة كالأمومة، ومن جهة أخرى غياب واضح للمراقبة والشفافية في تقارير الوفيات، ما يجعل أرواح النساء الحوامل رهينة بين المقص الطبي وحسابات الفوترة. وحتى الآن، لم تُعلن وزارة الصحة عن أي استراتيجية واضحة لتقليص نسب القيصريات غير المبررة، رغم دعوات منظمة الصحة العالمية إلى مواءمة الممارسات الطبية مع المعايير الدولية، وضمان “رعاية آمنة وإنسانية” للحوامل. وبينما تتزايد أرقام التعويضات والمآسي الإنسانية معاً، يبقى السؤال معلقاً “من يحاسب حين تتحول “العملية المنقذة للحياة” إلى تجارة مربحة تزهق الأرواح؟”







