أثار الرئيس التونسي قيس سعيّد موجة جديدة من الجدل في تونس، بعد أن استعان خلال لقاء رسمي ببيتَي شعر للشاعرين الأمويين جرير والفرزدق في سياق انتقاده للاحتجاجات التي يقودها ما يُعرف بـ”جيل زد”، وهو الجيل الشاب المولود بين عامي 1997 و2012، والذي يشهد حضورًا لافتًا في التحركات الاجتماعية الأخيرة.
وخلال لقائه مساء الثلاثاء برئيسة الحكومة سارة الزعفراني، علّق سعيّد على الاحتجاجات التي تشهدها مدينة قابس (جنوب شرق البلاد)، حيث خرج الآلاف من السكان مطالبين بإغلاق الوحدات الملوثة التابعة للمجمع الكيميائي، المعروف محليًا بـ”مجمع الموت”. وقال الرئيس إن “هناك من يدّعي الانتماء إلى مجموعة زد، ولكن الشعب التونسي بوعيه الثابت وغير المسبوق، وبوقوفه مع قوات الأمن، هو السور المنيع الذي ستتكسر عليه كل محاولات تأجيج الأوضاع”، مضيفًا أن هؤلاء “العملاء والخونة سيتلقّون الدرس تلو الدرس والصفعة تلو الصفعة”.
وفي إشارة لافتة، استشهد سعيّد ببيتٍ شعري لجرير قائلاً: “زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا، أبشر بطول سلامة يا مربع”، قبل أن يضيف بيتًا آخر يشير فيه إلى “جدع أنف الأخطل” في استعارة رآها كثيرون ذات دلالات تهديدية. وقال الرئيس: “إذا حقق الشعب التونسي إرادته سيتم جدع أنف الأخطل”، في ما بدا تحذيرًا صريحًا للمعارضين والمحتجين.
وقد أثار هذا الخطاب ردود فعل غاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي وداخل الأوساط السياسية والإعلامية. وكتب الإعلامي عامر بوعزة أن استخدام بيت جرير في هذا السياق “خطأ بلاغي قاتل”، موضحًا أن هذا البيت يُستشهد به عادة للدلالة على من يكثر الكلام ويقل الفعل، “وبالتالي قد يرتدّ المعنى على قائله نفسه”.
من جانبه، اعتبر رئيس حزب المجد عبد الوهاب الهاني أن الرئيس “أخطأ بتخوين الحراك الاجتماعي في قابس والدعوة الصريحة لتصفية المحتجين الذين يعتبرهم خونة”، معربًا عن قلقه من “استحضار مفردات عنيفة مثل السموم وقطع الأنوف في خطاب رسمي”، وواصفًا ذلك بأنه “أسلوب يضع سعيّد في مواجهة مباشرة مع جيل كامل من الشباب التونسي”.
في المقابل، يرى أنصار الرئيس أن تصريحاته جاءت في سياق “الدفاع عن استقرار الدولة وهيبتها”، مؤكدين أن الاحتجاجات “تحركها أطراف سياسية تسعى إلى الفوضى”.
وتشهد مدينة قابس منذ أيام احتجاجات واسعة رافقتها إضرابات عامة أغلقت خلالها المؤسسات التربوية والجامعية والمقاهي والأسواق، وسط مطالب متكررة بإغلاق المجمع الكيميائي الذي يتهمه السكان بالتسبب في أمراض مزمنة وتلوث خطير يهدد البيئة والحياة اليومية في المنطقة.
ويرى مراقبون أن هذا الجدل الجديد يعمّق الهوة بين السلطة والجيل الشاب في تونس، ويعكس تصاعد التوتر بين الخطاب الرسمي الصارم ولغة الشارع الغاضب، في بلد ما زال يبحث عن توازن هش بين الاستقرار والحرية بعد أكثر من عقد على الثورة.







