كشفت مذكرة التوزيع الجهوي للاستثمارالمرفقة بمشروع قانون المالية لسنة 2026 عن استمرار التفاوت المجالي الصارخ في توزيع الاستثمارات العمومية، رغم الوعود المتكررة التي أطلقتها حكومة عزيز أخنوش بجعل “العدالة المجالية” محوراً لسياساتها التنموية. فرغم حجم الاعتمادات الضخم المبرمج، والذي يناهز 380 مليار درهم للسنة المقبلة، تُظهر الوثيقة أن الجزء الأكبر من هذه الاستثمارات لا يزال متركزاً في الجهات الكبرى، خصوصاً الدار البيضاء-سطات، الرباط-سلا-القنيطرة، وطنجة-تطوان-الحسيمة، فيما تظل جهات مثل درعة-تافيلالت والشرق وكلميم-واد نون في ذيل الترتيب من حيث حجم المشاريع المرصودة.
المذكرة، التي توضح تفاصيل برمجة المشاريع العمومية برسم السنوات الثلاث المقبلة، تُبرز بوضوح أن منطق “التمركز” لا يزال حاضراً بقوة في الخريطة الاستثمارية، حيث تستحوذ الجهات ذات البنيات التحتية القوية والمؤهلات الاقتصادية العالية على النصيب الأوفر من الاعتمادات. في المقابل، تكتفي الجهات الهشة بمشاريع متفرقة محدودة الأثر، لا تتعدى تجهيزات أساسية أو محاور طرقية صغيرة، وهو ما يُبقي الفوارق التنموية قائمة ويُضعف فرص التوازن بين الجهات.
ويتضح من تحليل الجداول المرفقة أن أكثر من نصف المشاريع المدرجة تهم قطاعات الماء والطاقة والبنية التحتية، وهي مجالات تتركز أساساً في المناطق الساحلية والشمالية والوسطى. أما الجهات الداخلية فتنال اعتمادات أقل حجماً، رغم حاجتها الماسة إلى بنى تحتية وخدمات عمومية قادرة على تحفيز الاستثمار الخاص وخلق فرص الشغل. وتقر المذكرة نفسها بأن معدل إنجاز المشاريع في بعض الجهات لا يتجاوز مستويات متواضعة، بسبب ضعف القدرات المالية والإدارية وغياب آليات ناجعة لتتبع التنفيذ.
وترى مصادر مطلعة أن الحكومة ورغم مبدأ “الجهوية الموسعة” الذي أقره المغرب منذ سنوات، لم تتمكن بعد من ترجمة هذا الأخير إلى سياسة استثمارية عادلة وفعالة، إذ لا تزال البرمجة تخضع لمنطق المركز أكثر من حاجيات الجهات، في ظل غياب مؤشرات دقيقة لتقييم مردودية المشاريع على المستويات الاجتماعية والاقتصادية. كما تشير المذكرة إلى أن جزءاً مهماً من المشاريع المدرجة ما زال “قيد الدراسة أو الانطلاق”، ما يطرح تساؤلات حول القدرة الفعلية على صرف الاعتمادات وتنفيذ الالتزامات في الآجال المحددة.
وترى مصارد نيشان أن استمرار التفاوت المجالي في الاستثمارات العمومية يحد من أثرها التنموي الحقيقي، ويُبقي مناطق واسعة على هامش الدورة الاقتصادية الوطنية، في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً متزايدة لتقليص الفوارق الترابية وتفعيل مضامين النموذج التنموي الجديد. فبينما تُظهر المذكرة طموحاً رقمياً كبيراً، فإن الواقع المالي والتنفيذي يكشف أن الطريق نحو عدالة مجالية حقيقية ما يزال طويلاً، وأن حكومة أخنوش مطالبة بتغيير مقاربتها من مجرد “توزيع اعتمادات” إلى “استثمار متوازن وموجه نحو التنمية البشرية”.







