رغم الارتفاع الملحوظ في ميزانية جماعة الدار البيضاء خلال السنوات الأخيرة، من نحو 340 مليار سنتيم إلى أزيد من 500 مليار سنتيم، إلا أن العاصمة الاقتصادية ما تزال غارقة في عجز مالي مزمن، تتراكم مؤشراته دورة بعد أخرى، وتكشف عن عمق اختلالات التدبير المحلي وغياب رؤية مالية متماسكة قادرة على استعادة التوازن.
ففي دورة أكتوبر الأخيرة، طفت مجددًا على السطح معضلة “الباقي استخلاصه”، التي تحولت إلى عنوان للأزمة البنيوية في مالية الجماعة، بعدما تجاوزت المتأخرات المسجلة عتبة 1000 مليار سنتيم، وهي مبالغ ضخمة عالقة لدى مرتفقين ومؤسسات خاصة وعمومية، بعضها دخل مرحلة التقادم. رئيس لجنة المالية أقر بصعوبة تحصيل هذه الأموال، معتبراً أن الجماعة عاجزة عن حل هذا الملف بمعزل عن تدخل وزارات الداخلية والمالية والعدل، وهو ما يعكس هشاشة المنظومة الجبائية المحلية وضعف التنسيق بين الإدارات المعنية.
ورغم تقليص عدد الموظفين من 13 ألفًا إلى 8100 فقط، ما كان يفترض أن يخفف العبء المالي، فإن نفقات الجماعة ظلت مرتفعة، في وقت تواصل فيه المداخيل الجمودية من الأسواق الجماعية وممتلكات المدينة تكبد الخزينة خسائر سنوية بالملايير. ففي أسواق يفترض أن تدر على الجماعة نحو 60 مليار سنتيم سنوياً، تكتفي الأخيرة بصفر درهم تقريباً، بينما تتحمل نفقات تفوق 100 مليون سنتيم مقابل الماء والكهرباء والنظافة، بسبب ثغرات قانونية تسمح للمستغلين غير الأصليين بالتهرب من الأداء.
كما لم ترَ النور بعد شركة التنمية المحلية “كازا موارد” التي أُعلن عنها نهاية الولاية السابقة لتدبير مداخيل الجماعة، وهو ما جعل المجلس الحالي يواصل الاعتماد على موارد تقليدية محدودة، أبرزها حصة الضريبة على القيمة المضافة المحولة من وزارة المالية. في المقابل، تستفيد مؤسسات كبرى من عقارات الجماعة بمبالغ رمزية، مثل مطعم “السقالة” الذي يؤدي فقط 750 درهماً شهرياً، في مفارقة تختزل حجم الخلل في تدبير الثروة العقارية العمومية.
هذا الوضع المالي دفع المعارضة إلى رفع نبرة انتقادها. عبد الصمد حيكر، رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس المدينة، تحدث عن “سوء تدبير واختلالات مالية” تعكس – حسب قوله – غياب الحكامة وافتقار المجلس الحالي للمرجعية في برمجة مشاريعه. واعتبر أن دورة أكتوبر انعقدت في سياق سياسي واجتماعي حساس، لكنها “مرت بصمت وبكماء”، مشيراً إلى أن الميزانية المعروضة تتضمن مداخيل “غير واقعية” وتغيب عنها المصداقية، من بينها موارد مفترضة من أسواق أسبوعية “لا وجود لها فعلياً”. كما انتقد حيكر ارتفاع نفقات كراء السيارات إلى 17 مليون درهم، وغياب تسوية لعدد من الأوعية العقارية، معتبراً أن المجلس فقد البوصلة المالية والسياسية.
من جهتها، حاولت العمدة نبيلة الرميلي تبرير خياراتها المالية خلال الجلسة الثانية من دورة أكتوبر، مؤكدة أن ميزانية سنة 2026 “تقوم على مبادئ التوازن والكفاءة”، وتتماشى مع التوجيهات الملكية الداعية إلى إرساء دينامية جديدة في تدبير الشأن العام المحلي. وأوضحت أن إجمالي الدين الجماعي سيبلغ 430.7 مليون درهم، موزعة بين قروض من الصندوق الجماعي للتجهيز والبنك الدولي ومؤسسات تمويل أجنبية.
الرميلي أكدت أن الجماعة تواصل تنفيذ مشاريع كبرى كإنشاء مركز لمعالجة النفايات على مساحة 260 هكتاراً، واقتناء أراضٍ لإحداث منصة غذائية ومركز “لافيراي”، في إطار ما تعتبره “استمرارية في الجهود الرامية إلى تعزيز الموارد الذاتية وتحسين تحصيل الضرائب”. لكنها لم تُخفِ أن تحقيق هذا الطموح رهين بتقوية آليات المراقبة وتوسيع الوعاء الضريبي، وهي تحديات تزداد تعقيداً في ظل ضعف المردودية المالية الحالية.
وبين رواية المكتب المسير الذي يتحدث عن “توازن واستراتيجية مالية جديدة”، والمعارضة التي تتهمه بـ“التمويه وتزييف الأرقام”، تبقى الدار البيضاء – وهي على أعتاب احتضان تظاهرات دولية ككأس إفريقيا للأمم 2026 ومونديال 2030 – أمام امتحان صعب، حول مدى قدرة لمدينة بهذا الحجم مواصلة تسييرها بعجز متراكم، وموارد ضائعة تتجاوز ألف مليار سنتيم.







