“أيها الإسكافي لا تتجاوز حدود النعل”. تُنسب هذه المقولة إلى رسام يوناني قديم يُدعى أبيلّيس، وتحكي القصة أن أبيلّيس كان يعرض لوحاته في الأماكن العامة، وقد فوجئ يوماً بإسكافي يُنبهه إلى خطأ في رسم الحذاء في إحدى لوحاته، فقام بتصحيحه أمام الجمهور شاكراً للإسكافي ملاحظته. لكن هذا الأخير، وقد راق له تصفيق الجمهور، شرع يُملي ملاحظات في تفاصيل أبعد من الحذاء، فالتفت إليه أبيلّيس قائلاً عبارته الخالدة: “أيها الإسكافي، لا تتجاوز حدود النعل”.
اليوم، يبدو أن المغرب يعيش نسخة مُحَدَّثة من هذه الحكاية، نسخة لا تتوقف عند إسكافي واحد، بل تُقدِّم سلسلة طويلة من “الإسكافيين” الجدد الذين وجدوا أنفسهم، بقدرة قادر، على كراسٍ وزارية لا رابط بينها وبين مسارهم المهني، باستثناء قدرتهم على اجترار كلمات مثل “البلورة” و”الرؤية الاستشرافية” و”الميزة التنافسية”، ورشقِنا بفرنسية مُعتَّقة من تلك التي تتطلَّب شدّ الشفتين كما لو كان المتحدث يستعد لنفخ “نفاخات الميلاد”.
خذ قطاع الصحة مثلاً. قطاع مثخن بالأعطاب والاختلالات، يعرف أهله قبل غيرهم أن إصلاحه يحتاج أكثر من “سيروم” و”كريم ترطيب البشرة”، ثم يُسلَّم لرجل خبرته ممتدة في مستحضرات التجميل. ويُطلب منا، عن طيب خاطر، أن نصفق ونصدّق أن القادم الجديد سيحلّ ما استعصى على أسماء من وزن الخياري والهاروشي والوردي؛ رجال عاشوا في المستشفيات، وخبروا أعطابها، وفهموا أن المنظومة أكبر بكثير من حملة إعلانية ناجحة تحت شعار “طل للرباط دير احتجاج”. ومع ذلك، قيل لنا: اطمئنوا، فالإسكافي سيعيد رسم اللوحة.
وفي التعليم، “مختبر التجارب” المفتوح منذ عقود بلا نهاية، تعاقبت عليه المخططات كما تتعاقب الفصول؛ من ” في أفق 1999″، ثم “في أفق 2006″، إلى “في أفق 2010″، ثم “البرنامج الاستعجالي” الذي لم يستعجل سوى تبذير الموارد، وصولاً إلى “مدارس الريادة” التي قيل إنها أبهرت فرنسا والدول الكبرى، بينما لم ترتفع الجودة. قبل أن نستيقظ على مشهد وزير قادم من عالم الشوكولاتة والمصاصات والبشكيطو، يتلعثم أمام لجنة برلمانية في استحضار كلمة “إطار”، ثم يلتفت إلى الكاتب العام بحثاً عن نجدة: “عتق عتق آسي أقوضاض”.
ولأن الحكاية لا تكتمل إلا بالمزيد من العبث، يُستقدم وجه نسوي من قلب هولدينغ رئيس الحكومة أخنوش، خبيرة في التسويق والماركوتينغ، لتُوضَع على رأس السياحة، وكأن المغرب مجرد “مول تجاري كبير” زبناؤه سياح عابرون يكفي إغراؤهم بمنشورات لامعة وصور محسَّنة بالفلاتر. ثم تُمنح مهمة الإشراف على برنامج “فرصة” للتشغيل، فيما “الفرصة الحقيقية” هي التي أتيحت لها لتصول وتجول في كل هذه القطاعات.
حتى البرلمان لم يسلم من منطق “الإسكافي”. رجل تعليم شاب، لم يتجاوز العقد الرابع، يعتلي رئاسة لجنة المالية، قبل أن ينتقل بسرعة قياسية إلى الصناعة التقليدية ككاتب دولة. لا لشيء إلا لأنه أجاد الانخراط في جوقة التصفيق، فصار بذلك مؤهلاً ـ في منطق المرحلة ـ لـ”حرق المراحل”.
ولعل “قائمة الهيئة الإسكافية المحترمة” طويلة… أطول من أن يتسع لها هذا العمود. وقد يقول قائل إن الوزير ليس مطلوباً منه أن يكون خبيراً في قطاعه، فوظيفته سياسية بالأساس. لكن حتى لو سلّمنا بهذا القول، فهؤلاء لم يكونوا يوماً سياسيين أصلاً؛ لا تدرج حزبي، لا اشتغال في منظمة شبابية، لا احتكاك بالشأن العام. مجرد تكنوقراطيين مقرّبين من دائرة رئيس الحكومة، أُعيد صبغهم باللون الأزرق، فصاروا وزراء بين ليلة وضحاها.
إن قصة الرسام والإسكافي ليست مجرد حكاية تحكى قبل النوم؛ إنها مرآة نرى فيها اليوم خراب ميزان الكفاءة حين يُستبدَل بأولوية القرابة. وحين يصبح معيار التعيين هو الولاء لا “التخصص”، والحظوة لا الخبرة، تُترك اللوحة للإسكافي لكي “يُصلحها”، بينما الجمهور مُطالب بالتصفيق، لا بالسؤال… فهل يصلح الإسكافي ما أفسده الدهر؟!







