يعيش مستشفى القرب بمدينة السعيدية حالة احتقان غير مسبوقة، بعدما توالت قرارات تنظيمية وُصفت داخل الأوساط المهنية بـ”الارتجالية”، ففجّرت موجة غضب واسعة وسط العاملين الصحيين الذين يرون أن المؤسسة تنحرف عن أهدافها الأساسية في ضمان خدمة صحية آمنة وذات جودة، في ظل غياب تصور تدبيري واضح وضعف ملحوظ في التواصل الداخلي.
وتشير معطيات متطابقة من داخل المستشفى إلى أن حالة التوتر وصلت ذروتها عقب قرار نقل مصلحة المستعجلات الطبية ودمجها مع مصلحة مستعجلات الأم والطفل داخل فضاء واحد، من دون إشعار مسبق للأطر أو عقد أي اجتماع مهني لتحديد بروتوكول العمل الجديد. خطوة اعتُبرت “متهورة” بالنظر إلى حساسية الفئات الوافدة على مصلحة الأم والطفل وما قد يترتب عنها من مخاطر متعلقة بانتقال العدوى إلى الحوامل والرضع في غياب شروط العزل والتطهير والاحترازات الطبية المعمول بها وطنياً ودولياً.
وزاد من تعميق الجدل قرار نقل مصلحة الأداء والاستقبال إلى غرفة الممرض الرئيس بقسم الولادة، وهي خطوة أثارت استغراب فاعلين صحيين بسبب افتقار هذا الفضاء لشروط الأمان والسرية والضبط الإداري المرتبط بمصلحة الأداء، التي تُعد من بين أكثر المصالح حساسية بالنظر إلى تعاملها المباشر واليومي مع المرتفقين.
ويأتي ذلك في سياق يستمر فيه إغلاق عدد من المصالح الأساسية منذ ما بعد جائحة كوفيد-19، من بينها المركب الجراحي، مصلحة ما بعد الولادة، طب الأطفال، الجراحة العامة والطب العام. في المقابل، تُستغل بعض المرافق في أنشطة خارج سياقها الطبي العادي، من قبيل استقبال حملات الختان، وهي مفارقة اعتبرها مهنيون “مقلقة” داخل مؤسسة من المفترض أن تمنح الأولوية للحالات الحرجة.
وتتحدث المصادر نفسها عن خروقات تمس مساطر تدبير النفايات الطبية المنصوص عليها في القانون 28.00، إذ جرى تخزين نفايات داخل غرف تابعة لمصلحتي المستعجلات والأم والطفل، ما تسبب في روائح نفاذة “خانقة ومضرة”، وسط تخوفات من احتمال تسببها في أمراض وتعفنات داخلية، خاصة لدى النساء الحوامل والمواليد الجدد. كما يستمر اشتغال سيارة إسعاف المستشفى من دون التجهيزات الضرورية رغم مقتضيات المذكرة التنظيمية رقم 102.
وتتقاطع هذه المستجدات مع ما ورد في بيان صادر عن المكتب المحلي للنقابة الوطنية للصحة العمومية بتاريخ 14 نونبر 2025، عبّر فيه عن استنكاره لما اعتبره “تفرداً في اتخاذ القرارات وتغييباً تاماً لمبدأ الشراكة الاجتماعية”. وأكد المكتب النقابي أنه حاول فتح قنوات للحوار دون جدوى، ما دفعه إلى التلويح بخطوات احتجاجية تصعيدية محلياً وجهوياً ووطنياً، قد تصل إلى حد الاعتصامات، في حال استمرار الوضع على ما هو عليه من دون تدخل مسؤول وعاجل من الجهات الصحية الإقليمية والجهوية والمركزية.
وتعيد هذه التطورات النقاش حول حكامة القطاع الصحي بالمغرب إلى الواجهة، خصوصاً داخل المستشفيات الإقليمية التي تواجه ضغطاً اجتماعياً وصحياً متزايداً، وتُعد من أولويات الورش الإصلاحي الوطني، في وقت يترقب فيه المواطنون خدمات تلائم الرهانات الصحية والالتزامات الحكومية المعلنة.







