أصدرت رئاسة النيابة العامة منشورًا رسميًا موجهًا إلى المحامي العام لدى محكمة النقض، والوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف، ووكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية، يوضح أهم المستجدات التشريعية التي جاء بها القانون رقم 03.23، المغير والمتمم للقانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية. ويهدف المنشور إلى تأطير عمل النيابة العامة في مختلف مراحل الدعوى الجنائية، بدءًا من تلقي ومعالجة الشكايات والوشايات، مرورًا بالأبحاث والتحقيقات، ووصولًا إلى المحاكمة وتنفيذ الأحكام والمقررات القضائية.
الاختصاص المحلي والنوعي للنيابة العامة
واحدة من أبرز المستجدات التي جاء بها القانون الجديد تتعلق بالاختصاص المحلي للنيابة العامة، إذ أصبح وجود المشتبه فيه في مؤسسة سجنية معيارًا إضافيًا لتحديد الاختصاص، إلى جانب المعايير السابقة المتمثلة في مكان ارتكاب الجريمة أو محل إقامة أحد المشتبه فيهم أو مكان إلقاء القبض عليهم. هذا التغيير يعزز قدرة النيابة العامة على متابعة الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية في حق المشتبه فيهم المتواجدين في مؤسسات سجنية ضمن نطاق اختصاصها.
كما توسع القانون في قواعد الاختصاص النوعي، لتشمل فئات جديدة من الأشخاص الذين تخضع أفعالهم لأحكام خاصة، مثل الضباط العسكريين من رتبة عميد فما فوق، وقضاة المحكمة العسكرية، إضافة إلى الكتاب العامين للعمالات والأقاليم ورؤساء المناطق الحضرية، وهو ما يضمن شمولية ووضوحًا أكبر في تحديد المسؤوليات القضائية والاختصاصات.
إضافة قيد للمتابعة بشأن الجرائم الماسة بالمال العام
أدخل القانون رقم 03.23 على المادة 3 من قانون المسطرة الجنائية مقتضيات تنظم متابعة الجرائم الماسة بالمال العام. وبموجب هذا التعديل، لا يمكن إقامة الدعوى العمومية في هذه الجرائم إلا بطلب من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسًا للنيابة العامة، استنادًا إلى إحالة من إحدى الهيئات أو المؤسسات المكلفة بمراقبة المال العام والمخول لها ذلك قانونًا.
يستثنى من هذا القيد الجرائم التي يتم ضبط مرتكبيها في حالة التلبس، حيث تظل النيابات العامة المختصة قادرة على ممارسة مهامها وفق القواعد العامة. في جميع الأحوال، يجب إشعار رئاسة النيابة العامة فورًا بجميع الإجراءات المتخذة لضمان متابعة الملفات وتوحيد مسار المعالجة القضائية وفق الضوابط القانونية.
معالجة الشكايات والوشايات
أدخل القانون تعديلات مهمة على طريقة تعامل النيابة العامة مع الشكايات والوشايات، لا سيما تلك مجهولة المصدر، حيث أصبح ملزمًا على القضاة القيام بالتحريات الأولية للتأكد من جدية هذه الشكايات قبل الإذن بفتح الأبحاث. وينطبق نفس الإجراء على الشكايات المودعة مباشرة لدى ضباط الشرطة القضائية، حيث يلزم الحصول على إذن النيابة العامة قبل مباشرة البحث.
كما تم وضع قيود على فتح الأبحاث المتعلقة بالجرائم الماسة بالمال العام، إذ لا يمكن مباشرة التحقيق إلا بناءً على إحالة رسمية من المجلس الأعلى للحسابات أو طلب من المفتشيات العامة أو الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، فيما تبقى الجرائم الماسة بالمال العام المضبوطة في حالة التلبس مستثناة من هذا القيد.
وأدخل القانون الجديد توسعًا على نطاق الإشعارات التي توجهها النيابة العامة، بحيث لم يعد مقتصرًا على القرارات المتعلقة بحفظ الشكايات، بل يشمل أيضًا جميع الإجراءات الأخرى، مع إلزامية إشعار المحامين والضحايا والمشتكين خلال 15 يومًا من اتخاذ القرار. ويهدف هذا الإجراء إلى تعزيز الشفافية وضمان حقوق جميع الأطراف المعنية بالدعوى.
كما أتاح القانون إمكانية التظلم من قرار الحفظ، سواء أمام الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف أو أمام الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، مع إلزامية تعليل هذه القرارات وإعداد تقارير مفصلة توضح الأسس القانونية لاتخاذها، لضمان إمكانية مراجعتها بشكل سليم.
تدبير الأبحاث الجنائية والإجراءات الوقائية
من بين المستجدات الأخرى المهمة، منح القانون النيابة العامة صلاحية إخضاع المشتبه فيهم للمراقبة القضائية أثناء سير البحث، وذلك وفق التدابير القانونية المحددة لكل حالة، بما يحقق التوازن بين حقوق الأفراد وفعالية مكافحة الجريمة.
كما نظم القانون قواعد نشر وإلغاء برقيات البحث، بحيث لا يمكن نشر أي برقية إلا بصدور أمر من قاضي النيابة العامة، وأن تكون الأفعال موضوع البرقية جناية أو جنحة معاقب عليها بعقوبة حبسية، أو إذا اقتضت الضرورة تنفيذ أحكام قضائية أو العقوبات البدنية. كما أوجبت المقتضيات الجديدة إلغاء برقيات البحث فور إلقاء القبض على المبحوث عنه أو تقادم الجرائم والعقوبات، مع إلزام النيابة العامة بالتحقق من تطبيق هذه الأحكام وإشعار الشرطة القضائية المعنية.
أما بخصوص التدابير الوقائية المتعلقة بالتحفظ على الأشياء والأدوات ووسائل النقل أو الإنتاج المضبوطة خلال الأبحاث الجنائية، فقد وسع القانون نطاق الرد لتشمل هذه العناصر، مع التأكيد على اتخاذ كافة التدابير اللازمة لحمايتها ومنع تفويتها، مع مراعاة الشروط القانونية وعدم تعريض حقوق الأطراف لأي مساس.
كما تم تعديل أحكام سحب جواز السفر وإغلاق الحدود، بحيث أصبح من الممكن تمديد مدة السحب لشهر إضافي مرتين عند اقتضاء البحث، مع إلزام النيابة العامة بالمتابعة والتأكد من تنفيذ هذه الإجراءات وفق القواعد القانونية، بما يحقق التوازن بين ضمان سير التحقيقات وحماية حقوق المشتبه فيهم.







