حين نقوم بنفس الشيء مرتين وبنفس الطريقة، لا يمكن أن نتوقع نتيجة مختلفة…
اليوم يتأكد بالملموس أن مسؤولينا لا يلتقطون الدروس، ولا يتعلمون منها، وأن أقصى همهم هو أن ينحنوا للعاصفة إلى أن تمر بسلام، ليكرسوا نفس أساليبهم التي تفسر لنا كيف انطلقت ماكينة الاعتقالات والمحاكمات لتلاحق عدداً ممن خرجوا للمطالبة بأبسط حقوقهم في قرى ودواوير تقبع في خارطة المغرب غير النافع.
تماما كما حصل مع عدد من شباب جيل زد ممن لم يثبت تورطهم في أعمال عنف أو تخريب والذين تم قطف رؤوسهم تباعا…
لقد توقع الكثيرون عن حسن نية أن الإعفاءات التي تلت حراك الريف، والتي عصفت بوزراء ومسؤولين كبار، ستكون مقدمة لرفع الإيقاع وتغيير العقليات وآليات الاشتغال في مختلف المناطق التي لا زالت تعاني من ظلم مجالي، وتندب حظها من التنمية والثروة.
العكس هو الذي حصل بعد أن طغى سوط العقوبات على صوت التنمية، والنتيجة أن خرج حراك شبابي أربك الدولة وجعلها تجتهد بعد التقاط أنفاسها في ملاحقة من طفا من رموزه بأحكام ثقيلة…
أكثر المتشائمين اعتقدوا أن الإشعاع الدولي الذي صار يتمتع به المغرب مع احتضانه لتظاهرات عالمية سيجعل بعض أصحاب “الأحذية الثقيلة” يراجعون حساباتهم ويفتحون الباب ليدخل القليل من الضوء لعتمة الملف الحقوقي.
والكثيرون توهموا بقرب طي صفحة معتقلي الريف والإفراج عن النقيب زيان ومعه عدد من سكان الهامش ممن صنعت منهم الدولة مجرمين، إما لأنهم طالبوا بالماء أو الكهرباء أو بطبيب ولادة أو بيوت لضحايا الزلزال… لكن العكس هو الذي حصل، وفتحت أبواب السجون لعشرات الشباب الذين تجرأوا وخرجوا من هواتفهم للصراخ في وجه الدولة.
ما الذي ستربحه الدولة من حصد رؤوس عشرات المحتجبن ووسمهم كمجرمين بتهم واسعة، فقط لأنهم طالبوا بصحة وتعليم، اكشتفنا جميعا أن من يتحكمان في مفاتحيهما غارقون في صفقات مشبوهة؟
ألم يحن الوقت لتتخلص الدولة من العناد القديم الذي يجعل كل من ينتقد أو يحتج “مجرماً”، إلى أن تثبت إدانته؟
بل متى كانت الدولة ترى في مغني “راب” عدوا يجب سحقه.. وفي صوت طالب جامعة تحريضا يتعين إخماده..
ومتى كان التشكيك في نزاهة الانتخابات يساوي خمس سنوات في أقرب سجن..
هل نريد إنتاج نسخة ثانية من هيئة الإنصاف والمصالحة عبر تكرار نفس أخطاء الماضي؟
لقد أقرت الحكومة بأن مطالب عدد من المحتجين كانت مشروعة كما حصل مع احتجاجات شباب جيل زيد التي قالت أنها ستنصت لهم، بل وتوسلت لهم للتفاوض… لكن ما نراه اليوم هو آلة حصاد ترمي بعشرات الشبان داخل السجون بعد أن سبقهم إليه آخرون من مدن المغرب المنسي.
كل من يسعى لتقديم نفسه كخادم دولة قادر على كتم جميع الأصوات يقدم لنا جميعا هدية ملغومة… ويزيد فقط في رمي الحطب تحت طنجرة الضغط.
من يجب أن يحاسب ويحاكم فعلا.. هم سارقي أحلام الشباب ولصوص المال العام.. و المقامرون باستقرار البلد عبر وضعنا جميعا في الخزان لنختنق.
طلقو الدراري…







