دخل، أمس الاثنين، القانون الجديد للمسطرة الجنائية رقم 03.23 حيّز التنفيذ حاملاً أبرز تعديل يطال عقوبة الإعدام منذ سنوات؛ إذ أصبح الحكم بها مشروطاً بإجماع القضاة داخل هيئة الحكم، وفق ما أكده المجلس الأعلى للسلطة القضائية في مذكرة تفسيرية مفصلة صدرت عن المديرية العامة للشؤون القضائية ، قطب القضاء الجنائي. ويمثل هذا التعديل تحوّلاً عملياً يحدّ بقوة من إمكان إصدار العقوبة الأقصى، بعدما كانت تتخذ سابقاً بالأغلبية فقط.
وبحسب الوثيقة ذاتها، فقد جرى تعديل المادة 430 بشكل يجعل الإجماع شرطاً إلزامياً لإصدار حكم الإعدام، مع ضرورة الإشارة إليه صراحة في منطوق الحكم. كما يلتزم رئيس الجلسة بتحرير محضر للمداولة يثبت فيه هذا الإجماع ويوقّعه جميع القضاة، قبل إلحاقه بملف القضية. وهي إجراءات تُقدَّم باعتبارها “ضمانة مضاعفة” لدرء أي خطأ قضائي في العقوبة التي لا رجعة فيها.
التعديل الجديد يُقرأ في سياق دستوري ودولي أوسع؛ فالوثيقة القضائية تربط بوضوح بين تشديد شروط الإعدام وبين الفصل 20 من دستور 2011 الذي يكرّس الحق في الحياة، وبين التزامات المغرب بموجب العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، خصوصاً الفقرة التي تشدد على أن الإعدام لا يجوز إلا في “أشد الجرائم خطورة” وبضمانات مشددة. كما تستحضر المذكرة توصيات اللجنة الأممية لحقوق الإنسان وهيئة الإنصاف والمصالحة الداعية إلى الحد من العقوبة أو السير نحو إلغائها.
ووفق مراقبين، فإن شرط الإجماع يعيد رسم العلاقة بين النص القانوني والواقع العملي، بحيث يحتفظ الإعدام بمكانه داخل مدونة العقوبات، لكنه يُحاط بجدار قضائي يجعل الوصول إليه صعباً إلى درجة كبيرة، في بلد لم يُنفذ فيه أي حكم بالإعدام منذ سنة 1993، رغم استمرار المحاكم في النطق به في حالات محدودة جداً. وهو ما يدفع البعض إلى وصف الوضع الجديد بأنه “إعدامٌ على الورق، مُقيّدٌ على الأرض”.
ويأتي هذا التحول ضمن حزمة إصلاحات حملها القانون 03.23، التي تُقدَّم رسمياً بوصفها مرحلة مفصلية في تحديث العدالة الجنائية. فقد شدد القانون على تعزيز حقوق الدفاع منذ اللحظة الأولى للاشتباه، وإلزامية إخبار الموقوف بحقوقه وتمكينه من محام، والحد من الاعتقال الاحتياطي وتبرير الإيداع بالسجن، وتوسيع نطاق المساعدة القانونية. كما يمنح الضحايا حماية موسعة، ويتيح إجراءات خاصة للنساء والأطفال، ويحدث مرصداً وطنياً للإجرام لتوجيه السياسات الجنائية بناء على معطيات دقيقة.
ويرى مهتمون أن المغرب بدخوله هذه المرحلة يواصل نهجه نحو توازن صعب، يتعلق بالإبقاء على العقوبة الأقصى في النص كمكوّن رمزي للردع، مقابل تضييق شروطها بشكل يجعل تطبيقها الفعلي شبه منعدم، ما يعيد فتح النقاش القديم حول جدوى استمرار الإعدام في المنظومة الجنائية، بين من يرى فيه “عقوبة لا إنسانية” تجب إزالتها بالكامل، ومن يعتبره ضرورة قصوى في الجرائم البشعة وإن مع ضمانات صارمة. وبين هذين الاتجاهين، يخطّ القانون الجديد مساره الخاص “حماية أشد للحق في الحياة، دون التخلي التام عن العقوبة في التشريع”.







