كشف تقرير علمي حديث عن معطى جيولوجي لافت يعيد إلى الواجهة نقاشًا ظل لسنوات حبيس المختبرات العلمية، مفاده أن القارة الأوروبية تتقارب تدريجيًا مع إفريقيا، وأن هذا التقارب قد ينتهي، على المدى الجيولوجي البعيد، بظهور حدود برية مباشرة بين المغرب وأوروبا عبر إغلاق مضيق جبل طارق.
وحسب المعطيات التي أوردها التقرير، فإن الصفيحة الإفريقية تواصل منذ ملايين السنين زحفها نحو الشمال، في حركة بطيئة لكنها مستمرة، بمعدل يتراوح بين 4 و6 مليمترات سنويًا. هذا المسار الجيولوجي، الذي انطلق منذ تفكك القارة العملاقة “بانجيا”، كان له دور حاسم في تشكل سلاسل جبلية كبرى، من بينها جبال الريف شمال المغرب، ونظيرتها “البيتيك” جنوب إسبانيا.
الدراسة، التي أنجزها باحثون من جامعة إقليم الباسك ونشرت في مجلة Gondwana Research العلمية، تشير إلى أن ما يحدث لا يقتصر فقط على تقارب جغرافي تقليدي، بل يشمل أيضًا حركة دوران بطيئة لشبه الجزيرة الإيبيرية، تضم إسبانيا والبرتغال، في اتجاه عقارب الساعة، في سلوك جيولوجي مغاير لباقي أجزاء القارة الأوروبية.
ويفسر الباحثون هذا التحول بآليات التصادم المعقدة بين الصفيحتين الإفريقية والأوراسية. ففي الجهة الشرقية من مضيق جبل طارق، يتم امتصاص جزء كبير من الضغط عبر تشوه القشرة الأرضية، بينما تعرف الجهة الغربية ضغطًا مباشرًا من الصفيحة الإفريقية، ما يدفع شبه الجزيرة الإيبيرية إلى الانزلاق جنوبًا غربًا مع تسجيل حركة دوران طفيفة لكنها منتظمة.
واعتمد الفريق العلمي، في الوصول إلى هذه الخلاصات، على تحليل أكثر من 2000 زلزال جرى تسجيلها على امتداد عشرين سنة، مكنت من قياس معدل دوران يناهز ما بين 0,1 و0,2 درجة لكل مليون سنة. ورغم أن هذا التغير غير محسوس على المستوى البشري، إلا أنه يُعد بالغ الدلالة على المدى الجيولوجي الطويل.
وتشير الدراسة إلى أن النتيجة القصوى لهذا المسار، في حال استمر بالوتيرة نفسها، تتمثل في الإغلاق التدريجي للجزء الغربي من البحر الأبيض المتوسط، واختفاء مضيق جبل طارق، ما سيؤدي نظريًا إلى اتصال بري مباشر بين المغرب وإسبانيا، وبالتالي بين إفريقيا وأوروبا. غير أن العلماء يشددون على أن هذا السيناريو يظل بعيدًا جدًا عن الزمن الحاضر، إذ لن يتحقق قبل ما لا يقل عن عشرة ملايين سنة.
ورغم الطابع النظري والبعيد لهذه الخلاصات، فإنها تعكس المكانة الجيولوجية الاستراتيجية للمغرب عند نقطة التقاء صفائح قارية كبرى، وتعيد التأكيد على أن مضيق جبل طارق ليس فقط معبرًا بحريًا وسياسيًا بالغ الحساسية، بل أيضًا فضاء نشط جيولوجيًا يخضع لتحولات عميقة تتجاوز الزمن الإنساني بكثير.







