أعاد التقرير الأخير للمندوبية السامية للتخطيط وضع الدولة أمام مرآة الأرقام دون مساحيق ولا هوامش للمناورة. فحين تقول المعطيات الرسمية إن ربع سكان المغرب سيكونون من المسنين بحلول 2050، فإن الأمر لا يخص تحوّلاً ديمغرافيا عاديا، بل ينذر بزلزال اجتماعي ومالي يهدد أحد أعمدة الاستقرار في البلاد، ويتعلق الأمر بـ “منظومة التقاعد والحماية الاجتماعية”. هذه ليست نبوءة متشائمة، بل قراءة مباشرة لمسار تتقاطع فيه الشيخوخة السريعة مع سياسات عمومية بطيئة ومترددة.
الوتيرة التي يشيخ بها المجتمع المغربي غير مسبوقة. في ظرف عشر سنوات فقط، ارتفع عدد من تجاوزوا سن الستين بنحو 59 في المائة، مقابل نمو سكاني ضعيف لم يتجاوز 0,8 في المائة. المعنى السياسي والاقتصادي لهذا المعطى واضح، هو أن عدد أقل من المغاربة في سن العمل سيُطلب منه تمويل معاشات وعدد متزايد من المسنين، في بلد لم ينجح بعد في بناء قاعدة واسعة من الشغل المستقر ولا في تعميم التغطية التقاعدية. هنا بالضبط، وفقا لمصادر مطلعة، تبدأ المفارقة الخطيرة التي يتجاهلها الخطاب الرسمي المطمئن.
التقرير لا يكشف فقط تسارع الشيخوخة، بل يفضح هشاشتها. أغلبية المسنين اليوم خارج أي نظام تقاعدي فعلي، بسبب مسارات مهنية غير مهيكلة، أو فترات طويلة من العمل دون تصريح، أو ضعف التوظيف النظامي. ومع تأنث الشيخوخة، حيث تشكل النساء أكثر من نصف هذه الفئة، تتضاعف الهشاشة بفعل الأمية، وانخفاض الدخل، وضعف الولوج إلى خدمات صحية منتظمة. نحن إذن أمام شيخوخة بلا ضمانات، لا تشبه ما تعيشه الدول التي راكمت ثروتها قبل أن تشيخ.
على الجانب الآخر، تقف صناديق التقاعد كأضعف حلقة في هذه السلسلة. الأزمات المتتالية التي يعيشها الصندوق المغربي للتقاعد، والتحذيرات المتكررة من بنك المغرب، ليست سوى إشارات مبكرة لما قد يصبح عجزاً عاماً عن الوفاء بالالتزامات. إصلاحا 2016 و2021، اللذان قُدما كحلول إنقاذية، كشف الزمن محدوديتهما، إذ انحصرا في إجراءات معيارية أجّلت الانفجار ولم تعالج جذور الخلل. رفع سن التقاعد وزيادة الاقتطاعات لم يغيرا حقيقة أساسية: منظومة تقوم على التضامن بين الأجيال في مجتمع يتقلص فيه عدد المساهمين بسرعة.
ويحذر خبراء في الاقتصاد والحماية الاجتماعية من أن الجمع بين الشيخوخة السريعة و”سوق شغل هش” يشكل وصفة مضمونة لأزمة اجتماعية ممتدة. فبحلول 2050، لن يكون الرهان فقط على قدرة الصناديق على صرف المعاشات، بل على قدرة الدولة نفسها على احتواء ملايين المسنين الذين قد يجدون أنفسهم دون دخل قار، في ظل تراجع دور الأسرة واتساع الفوارق الاجتماعية. تحميل العائلات هذا العبء، كما يجري اليوم، قد يبدو حلاً مؤقتاً، لكنه غير قابل للاستمرار مع ارتفاع مؤشر الإعالة وتآكل القدرة الشرائية للفئات النشيطة.
وتوضح المصادر ذاتها، أن الأخطر ما في الموضوع، هو أن التعامل مع هذا الملف ما يزال محكوماً بمنطق التأجيل والخوف من الكلفة السياسية للإصلاح. تحذيرات بنك المغرب من أن كل سنة تردد ترفع فاتورة الإنقاذ مستقبلاً، تمرّ دون ترجمة فعلية في السياسات العمومية. النقاش العمومي يُختزل في تقنيات احتساب المعاشات، بينما يغيب السؤال الجوهري، أي نموذج اجتماعي يريده المغرب في أفق 2050؟ نموذج يترك شيخوخته تواجه المصير، أم دولة تعيد بناء عقد اجتماعي جديد يربط التقاعد بالتشغيل والعدالة الجبائية وحكامة حقيقية لاستثمار أموال الصناديق؟.
في هذا السياق، يبدو أنه وبحلول منتصف القرن، سيكون المغرب أمام اختبار تاريخي. ربع السكان مسنون، قاعدة المساهمين أضيق، وصناديق تقاعد تحت ضغط غير مسبوق.
وفي غياب إصلاح عميق يدمج الاقتصاد غير المهيكل، ويخلق فرص شغل حقيقية، ويعيد الاعتبار للتقاعد كحق اجتماعي لا كعبء محاسباتي، فإن أزمة الشيخوخة لن تبقى ملفاً تقنياً في تقارير رسمية، بل ستتحول إلى واقع يومي يهدد الكرامة والاستقرار الاجتماعي.
وتشدد المصادر، أن التقرير الأخير للمندوبية السامية للتخطيط لم يترك مجالاً للإنكار أو التأويل المريح. الأرقام واضحة، والمسار مرسوم. وما لم تنتقل الدولة من منطق إدارة الأزمة إلى منطق استباقها، فإن سنة 2050 لن تكون مجرد محطة ديمغرافية، بل لحظة محاسبة قاسية لسياسات اختارت الانتظار بدل المواجهة.







