من المفارقات العجيبة في المغرب أن الجميع يحارب “التفاهة” على الشبكات الاجتماعية، بمن في ذلك صنّاعها البارعون، كأنهم يحملون منشارا ويقطعون الغصن الذي يجلسون عليه، فوق الشجرة المعلومة، في الغابة إياها…
الغريب أن الجميع يحارب “التفاهة”، لكنها لا تزيد إلا انتعاشا، لأن الجميع مقتنع أن من يصنعها هم الآخرون، لا أحد ينظر إلى نفسه في المرآة. والحال أن القضاء عليها في منتهى السهولة، يكفي أن نتوقف عن مشاهدتها كي تفلس كل القنوات التي تروّجها، ويضطر أصحابها إلى تغيير الحرفة، لكننا في “بلاد سكيزوفرين”، حيث كل شخص يملك رأسين على الأقل، “واحد كيقوليه تفرج ولاخر كيقوليه لا”…
من أطرف ما سمعت في الموضوع، “يوتوبر” يصرخ بغضب أمام أحد الميكروفونات : لماذا يحاربون التفاهة ؟ واش لقاوها حيط قصير ؟ الشخص منسجم مع نفسه، على الأقل، يدافع عن مصدر رزقه بمنتهى النزاهة !
مؤخرا وضَعَت السلطات مجموعة من كبار المنتجين وراء القضبان، من أشهرهم إلياس المالكي ومولينيكس وقبلهما ولد الشينوية وأولاد آخرين من شاكلته، وليس “المونتيفات” ما ينقص، مما يؤشر على رغبة في إنهاء الفوضى التي تسود منصات التواصل الاجتماعي، وما ينجم عنها من عواقب وخيمة اجتماعيا وثقافيا، في ظل تراجع مؤسسات التنشئة القديمة مثل الأسرة والمدرسة والجمعية والجريدة والحزب…
لقد استفردت وسائل التواصل الاجتماعي بالأجيال الجديدة وأصبح تأثيرها مباشرا على عقول الناس وسلوكهم، وبينهم كثير من الأطفال والمراهقين والشباب، الذين يتخذون من أباطرة التفاهة الرقمية قدوة، لذلك لا يمكن إلا أن نصفق للحملة التي تشنها السلطات ضد من يحرّضون على الانحراف بكل أنواعه عبر “السوشل ميديا”. لكنّ الحل لا يمكن أن يأتي من النيابة العامة، السلطة لا تستطيع اعتقال كل منتجي “التفاهة”، بل علينا أن نهيئ جوابا متكاملا تساهم فيه كل مؤسسات التنشئة الاجتماعية، كي نحصّن الشباب ونقدّم لهم بديلا جديا عن تفاهات العالم الرقمي.
حين تتجول على الشبكات الاجتماعية تحس أنك تمشي في غابة، أو منطقة خارج القانون : الكلام سوقي، والشتائم نقية، وسمعة الأفراد وكرامتهم تنتهك على المباشر، كما يجري التطاول على القيم والأعراف والثوابت، دون حسيب أو رقيب.
هذه الفوضى الرقمية موجودة لأن هناك من يرعاها. ليس أنسب من مؤثر جاهل يتبعه ملايين المغفلين لتمرير الرسائل التي نريد إلى “شعيبة”. لكي تتوقف “التفاهة” ينبغي أن تكفّ الجهات التي ترعاها عن اللعب مع المؤثرين، لأنها في الحقيقة تلعب بمستقبل الأجيال…
المكنسة التي أشهرتها السلطات في وجه “التفاهة” ينبغي أن تنهي عملها، وعلى المؤسسات التشريعية والتنفيذية أن تعزز الجهد عن طريق سن قوانين تضع حدا للفوضى الرقمية، مع احترام الحريات الأساسية، وفي مقدمتها حرية التعبير.
في أستراليا، صادق البرلمان مؤخرا على قرار يحظر استعمال وسائل التواصل الاجتماعي على من تقل أعمارهم عن 16 سنة. وعندنا تجد آباء يتركون أبناءهم يرتبكون الفظاعات على يوتوب وانستغرام وكيك وبقية المنصات، بل إن بعضهم يحرّض القصّر على إنتاج محتويات مشبوهة، بحثا عن دراهم “الأدسنس”… و”ملي كيجيبو الربحة”، وينتهون وراء القضبان، يشرعون في التباكي والنواح. “كيشوفو الربيع ما كيشوفو الحافة” !.
لماذا تحاربون التفاهة؟







