ها قد ذهب السيد الرئيس… ذاك الذي شنّفوا أسماعه، لسنوات، جوقةُ المتملقين ومحترفي التطبيل والتهليل، بخُطب المديح والسماع، على وزن بحرٍ اخترعوه له وحده اسمه البحر “الهمزاوي”، تفعيلتهُ، لمن يتذكر دروس حصة “اللغة العربية”: هَمُزُونْ مهَامِزُونْ | هَمُزُونْ مهَامِزُونْ ”.
أنتَ السيد الرئيس الذي قيل لنا إن الناس شدّوا الرحال من كل المدن لرؤية طلعته البهية، وإن الحزب وُلد يوم جئت، وكاد أن يموت لولاك، وإن السياسة قبلك كانت فوضى، وبعدك صارت نظامًا كوكبيًا محكمًا.
سنوات طويلة، كان اسم الرجل يُنطق داخل الحزب كما تُنطق الأدعية في مواسم الجفاف. إذا تحدث، صفقوا. إذا ابتسم، كتبوا عن “حنكته”.. إذا أخطأ دافعوا.. وإذا سكت، قالوا إن في صمته حكمة لا يدركها إلا العارفون. تحوّل الحزب إلى ما يشبه شركة مساهمة كبرى، رئيس مجلس إدارتها هو نفسه الأمين العام، وهو نفسه العلامة التجارية.
قالوا لنا إن الرجل ظاهرة. وإنه لولا حضوره لما فاز الحزب، ولولا شبكاته لما تحركت العجلة، ولولا “كاريزماه” لبقي التنظيم رقمًا عاديًا في معادلة السياسة. فجأة، اكتشفنا أن الظواهر تنتهي، وأن الكراسي لا تخلّد أصحابها، وأن من كان يُقدَّم كقدر سياسي، صار خبرًا عاديًا في نشرة المساء.
أما الذين كانوا يقسمون بأن الحزب لا يعيش بدونه، فهم أول من انبرى ليشرح لنا فضائل “التداول الديمقراطي” و“تجديد النخب”. نفس الوجوه، نفس الحناجر، فقط غيّروا الأسطوانة. بالأمس كان الرئيس ضرورة وطنية، واليوم صار رحيله خطوة ديمقراطية محسوبة. السياسة عند البعض مثل الطقس.. تتغير حسب اتجاه الريح.
جاؤوا برئيس جديد. رجل محترم، بلا شك، ويحوي اسمه حرف “شين” أيضًا. لكن لا أحد يهمس في الكواليس إلا ويقارن. ليس بنفس الثقل، ليس بنفس العلاقات، لا تظهر صورته في مجلة فوربس، وليس بنفس القدرة على فتح الأبواب المغلقة.
أيتام السيد الرئيس ليسوا البسطاء الذين صوّتوا للحزب قبل خمس سنوات بسبب “جود.هم” وكرمهم. الأيتام الحقيقيون هم محترفو القرب. أولئك الذين كانت بطاقاتهم التعريفية تبدأ بعبارة “مقرّب من…” أو “مدلّل فلان”. هؤلاء لا يخافون على الحزب، بل على مواقعهم في الصورة. كانوا يعرفون طريق المكتب دون موعد، ويعرفون متى يصفقون ومتى يصمتون. اليوم، عليهم أن يتعلموا من جديد كيف يُطرق الباب.
طبعًا، لا أحد سيعترف بأن الرحيل جاء نتيجة حسابات قاسية أو رسائل غير قابلة للنقاش، أو حتى “غضبة من هنا أو هناك”. في السياسة، الحقيقة تُغلَّف بورق هدايا أنيق. يقال “قرار شخصي”، وتُبتلع بقية الجملة. لكن من يقرأ ما بين السطور، أو “الدموع”، يعرف أن الكرسي لا يُترك فقط بدافع الزهد.
والسؤال الذي يخشاه الجميع.. هل كان الحزب حزبًا فعلاً، أم مجرد منصة لرجل قوي؟ إن كان مؤسسة حقيقية، فسيستمر ويتجدد. وإن كان صورة معلّقة على جدار، فسيسقط المسمار وتنهار الصورة.
ها قد ذهب السيد الرئيس… ليرتاح… وترككم لمواصلة “الكفاح”، تنفيذا لشعاراتكم وانضباطا لها.
والآن يبدأ الامتحان الحقيقي. ليس للرئيس الجديد، بل لمن تعودوا العيش في ظل رئيس قديم. إما أن يتحولوا إلى سياسيين حقيقيين، أو يظلوا يروون لأبنائهم حكاية زمنٍ كان فيه “السيد الرئيس” يملأ القاعة… ويملأ الجيوب… و”يملأ العين” أيضا.







