بالتزامن مع انطلاق المفاوضات غير المعلنة بين الأطراف المعنية بملف الصحراء تحت رعاية أمريكية، وفي ظل دينامية دبلوماسية متجددة تعيد ترتيب أوراق هذا النزاع على المستويين الإقليمي والدولي، قدم مركز المؤشر للدراسات والأبحاث مذكرة سياسية تقترح رؤية دستورية ومؤسساتية متكاملة لتنزيل مبادرة الحكم الذاتي بالصحراء المغربية، داعيا إلى الانتقال من منطق الترافع الخارجي إلى منطق البناء الداخلي والتفعيل العملي.
المذكرة، التي صدرت في سياق يتسم بتطور ملحوظ في لغة قرارات مجلس الأمن وتزايد الإشادة الدولية بجدية المقترح المغربي، تسعى إلى إغناء النقاش العمومي والمؤسساتي حول مرحلة ما بعد تثبيت المبادرة كخيار واقعي، عبر تقديم تصور عملي يحدد شروط النجاح السياسي والدستوري والمؤسساتي لهذا الورش.
واعتبر المركز أن اللحظة الراهنة لم تعد تحتمل الاكتفاء بالدفاع النظري عن مبادرة الحكم الذاتي، بل تفرض بلورة هندسة دستورية دقيقة تضمن وضوح الاختصاصات، وتؤطر العلاقة بين الدولة وجهة الحكم الذاتي، وتحصن التجربة من أي التباس قد يفتح الباب أمام تنازع الصلاحيات أو تأويلات سياسية غير منضبطة.
وفي قراءته للسياق الدولي، سجل المركز أن مسار تدبير النزاع عرف تحولا تدريجيا من أطروحة الاستفتاء إلى منطق الحل السياسي الواقعي والقابل للتطبيق، مشيرا إلى أن قرارات مجلس الأمن الأخيرة كرست مبادرة الحكم الذاتي ضمن الخيارات الجدية وذات المصداقية، وهو ما يضع المغرب أمام تحدي الانتقال إلى مرحلة التفعيل المؤسساتي.
وعلى المستوى المفاهيمي، شددت المذكرة على أن الحكم الذاتي لا يعني تقسيما للسيادة أو مساسا بوحدة الدولة، بل يمثل صيغة حديثة لتنظيم ممارسة بعض مظاهرها الوظيفية داخل دولة موحدة، في إطار تفويض دستوري مضبوط، يوازن بين متطلبات السيادة الوطنية والديمقراطية الترابية.
كما ميزت الوثيقة بين الحكم الذاتي واللامركزية الإدارية التقليدية، مؤكدة أن الأمر يتعلق بنمط متقدم من توزيع الاختصاصات، يمنح الجهة سلطات تقريرية فعلية في مجالات التنمية والتخطيط والشؤون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مع احتفاظ الدولة بالاختصاصات السيادية الحصرية.
واعتبر المركز أن خصوصية المقترح المغربي تكمن في كونه امتدادا لمسار وطني في تطوير التنظيم الترابي، تعزز مع دستور 2011 الذي كرس الجهوية المتقدمة، ما يجعل الحكم الذاتي بالصحراء تعميقا نوعيا لهذا الخيار، وليس قطيعة معه.
وفي ما يتعلق بآليات التنزيل، دعت المذكرة إلى التنصيص الدستوري الواضح على نظام الحكم الذاتي بما يضمن استقراره، وتحديد دقيق للاختصاصات الحصرية والمشتركة والمنقولة تفاديا لأي تداخل.
كما شددت على ضرورة إحداث مؤسسات جهوية منتخبة بشكل مباشر، تتمتع بسلطات تقريرية حقيقية، وتخضع في الآن ذاته لآليات مساءلة شفافة، بما يعزز الشرعية المحلية ويرسخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
ولم تغفل الوثيقة البعد المالي، معتبرة أن أي حكم ذاتي دون استقلالية مالية فعلية سيظل محدود الأثر. ودعت في هذا الإطار إلى إرساء نظام تمويل جهوي واضح يقوم على موارد ذاتية وآليات تضامن مع الدولة، مع ربط الحكم الذاتي بنموذج تنموي جهوي خاص، يحول الأقاليم الجنوبية إلى قطب اقتصادي واستثماري، بدل أن تظل فضاء لتدبير نزاع سياسي.
كما أثارت المذكرة إشكالية تحديد الأقاليم المعنية بالحكم الذاتي، في ضوء الامتداد التاريخي والاجتماعي للمجال الصحراوي، وتوقفت عند النقاش الدائر حول موقع جهة كلميم وادنون، داعية إلى مقاربة تراعي وحدة المجال والانسجام التنموي والقبلي، بعيدا عن منطق الإقصاء أو التوظيف السياسي الضيق.
وخلص المركز إلى أن نجاح هذا الورش رهين بتوافر إرادة سياسية واضحة لدى الدولة والفاعلين المحليين، وبناء نخب جهوية قادرة على تدبير الشأن العام بكفاءة، وترسيخ ثقافة ديمقراطية محلية تقوم على التعددية والشفافية. فالحكم الذاتي، وفق تصور المذكرة، ليس مجرد إعادة توزيع تقني للاختصاصات، بل مشروع سياسي وتنموي طويل النفس، يهدف إلى تحويل الأقاليم الجنوبية إلى رافعة للاستقرار والديمقراطية الترابية في إطار وحدة الدولة.







