كثبان الرمل تتحرك في الصحراء، وتجرف معها التوازنات القديمة، وعقيدة الانفصال، ومقامرا اسمه الجزائر. ثلاثة أشهر بعد تصويت مجلس الأمن على قرار تاريخي يجعل من خطة “الحكم الذاتي” أساسا وحيدا لحل النزاع، بهندسة أمريكية، هاهي واشنطن تجمع المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو في سفارة الولايات المتحدة بمدريد، من أجل وضع إطار عملي يسمح بتنزيل القرار الأممي، وطيّ قضية عمّرت نصف قرن. المغرب ذهب إلى الاجتماع بمشروع مفصّل، من أربعين صفحة، يقدم رؤيته لمستقبل الإقليم تحت السيادة المغربية.
في انتظار أن تصدر بيانات رسمية عن اجتماع مدريد، إما من الأطراف المشاركة أو من الراعي الأمريكي، يمكن أن نسجل بأن اللقاء في حد ذاته يعدّ انتصارا جديدا للمغرب، لأنه أجبر الجزائر على الجلوس إلى طاولة المفاوضات كطرف في النزاع، مما يعكس تحولا كبيرا في موقف الجارة الشرقية، التي ظلت لعقود تروّج خطابا مفاده أنها مجرد دولة “تقدمية” تدعم “حركات التحرر” في العالم و”حقّ الشعوب” في “تقرير مصيرها”، دون أن تكون لها علاقة مباشرة بالقضية. هاهي اليوم ترضخ للضغوط الأمريكية وتعترف ضمنيا أنها طرف في النزاع !
الحقيقة أن مياه كثيرة جرت تحت الجسر، منذ أكتوبر المنصرم، وتحركات حثيثة حدثت في الكواليس، قادها كبير مستشاري ترامب للشؤون العربية والافريقية مسعد بولس، الذي زار الجزائر عدة مرات، آخرها في 26 يناير الماضي، وكثف ضغطه على قصر المرادية كي يقبل بتصفية الملف على أساس مقترح “الحكم الذاتي” المغربي. ويبدو أن ضغوط بولس أسفرت عن تصدّع في القرار السياسي الجزائري، بين الرئاسة وقيادة الجيش. الرئيس عبد المجيد تبون أدرك أن اللعب مع ترامب مغامرة غير محمودة العواقب، وبدل الرفض والعناد، قرر الانصياع لرؤية واشنطن مع تحويل الهزيمة الاستراتيجية إلى انتصار بلاغي، عبر خطاب جديد يسوّق “الحكم الذاتي” كانتصار لجبهة البوليساريو وراعيتها الجزائر، رغم سخرية الموقف. الجزائر لا تحتاج لمن “يُسخّفها”، بخلاف ما يعتقده الرئيس تبون، ولحسن حظه أن السخافة لا تقتل !
الخطاب في النهاية موجه للاستهلاك الداخلي، وترديده في وسائل الإعلام الرسمية، وعبر المؤثرين الذين تعتمد عليهم الرئاسة في ترويج خطاباتها، سينتهي بأن يعطي أكله، ويقنع الرأي العام الجزائري بأن البلاد حققت نصرا مبينا من خلال منح “الحكم الذاتي” للأقاليم الصحراوية…
أمًا قيادة الجيش فلم تهضم الصفعة الأمريكية، ولم تقبل الهزيمة الدبلوماسية النكراء، وتريد الاستمرار في المناورة، مهما كلف الثمن، علما أن الثمن يمكن أن يكون باهظا جدا، لأن إدارة ترامب لا تمزح، وهناك مشروع قرار في الكونغرس يضع جبهة البوليساريو على قائمة المنظمات الإرهابية، يمكن تحريكه في أي وقت.
بصيغة أخرى، إذا لم تتجاوب الجزائر مع المساعي الأمريكية لحلّ النزاع، ستجد نفسها في موقف لا تحسد عليه، إذ يمكن أن تتحول بين عشية وضحاها إلى “دولة مارقة” تؤوي “منظمة إرهابية”، وتطبّق عليها العقوبات الأمريكية التي تستهدف الدول الراعية للارهاب، بكلّ بساطة !
تبون يريد تفادي هذا السيناريو، خصوصا أنه يدرك بأن الجزائر حُشِرَتْ في الزاوية، وفقدت معظم حلفائها، بسبب التغيرات الجيواستراتيجية التي شهدها العالم. فينزويلا سقطت بأيدي الأمريكيين، وكوبا يشتد عليها الخناق، والنظام الإيراني مهدد من طرف ترامب… أما روسيا والصين، فلم يعودا معنيين بالقضية، ويتبنيان حيادا في صالح المغرب، كما بيّن ذلك امتناعهما عن التصويت في جلسة 31 أكتوبر، مما سمح باعتماد القرار 2797. أي أن موسكو، مثل بكين، أدارت ظهرها للجزائر، وأصبحت تشدّ العصا من الوسط، بخلاف حلفاء الرباط الذين زادوا من دعمهم للموقف المغربي، وخطوا في اتجاه حسم النزاع لصالحه، وآخرهم “الاتحاد الأوربي” الذي أجمع أعضاؤه على دعم خطة “الحكم الذاتي” قبل بضعة أيام.
أمام هذه التحولات الراديكالية، لم تجد الجزائر بدًّا من الاستجابة لدعوة مسعد بولس، وإرسال أحمد عطاف إلى مدريد كي يطّلع على خطة “الحكم الذاتي” في صيغتها المحيّنة. لقد دار الزمان على دارا… الخسارة التي منيت بها الجزائر في هذه المعركة تفسر مناوشاتها على الحدود، وارتفاع حدة الخطاب المعادي للمغرب، لأنها تحتاج إلى استعراض القوة، كي تبرر تغيير موقفها، وتسوّق الخسارة في “أمبالاج” الانتصار.
لقد صعدت الجزائر إلى الجبل منذ خمس سنوات ولم ترد النزول، رغم يد المغرب الممدودة على الدوام : في غشت 2021 قطعت علاقاتها نهائيا مع الرباط، ثم منعت تحليق الطائرات المغربية في أجوائها، وفي أكتوبر أوقفت إمدادات الغاز إلى أوروبا عبر المغرب… لقد صعدت عاليا إلى السماء، لذلك جاءت سقطتها مدوية. المضحك أن بعض الأصوات، التي أدركت أن ساعة الحسم دقت، اقترحت على الوزير أحمد عطّاف أن يضع على طاولة مدريد مطلبا بتعويض الجرائر عما صرفته من أموال، طوال خمسين عاما، على مشروع الانفصال الفاشل… كأن المقامر يستعيد نقوده عندما يخسر !
مقامرٌ على طاولة مدريد







