العنوان لا علاقة له بالفيضانات التي ضربت عددًا من أقاليم المغرب بعد سبع سنوات عجاف…
ما أقصده هو فيضان الفساد الذي خرج من تقرير “ترانسبرنسي”..
التقرير قال إن البلاد تتجه إلى الحائط.. وأن صفارة طنجرة السخط الشعبي بعد هدوء احتجاحات جيل زيد سيُسمع صداها قريبًا… في ظل تفاقم الريع والمحسوبية والفساد الذي أصبح ممنهجًا.
المثل يقول: “إذا ظهر السبب بطل العجب”..
وقد عاينا هذا العجب جميعًا حين منحت هذه الحكومة بيد الوزير وهبي حصانة تامة للشفّارة الكبار من خلال إسقاط تجريم الإثراء غير المشروع وغل يد الجمعيات الحقوقية عن تقديم شكاوى مرتبطة بجرائم الأموال.
لن نتحدث هنا عن الفساد الكبير والمخلمي الذي يرفل فيه من لهم مواعين نحاس… وهم معرفون ومحترمون جدا…
أن تصبح شفّارًا في المغرب هو سعي صار مشروعًا في نظر الكثيرين وهم يرون كيف انتقل عدد من المعدمين و”المكردين” من تحت عتبة الفقر، إلى نادي المليارديرات بالشفرة ونهب المال العام دون محاسبة..
وفوق ذلك أُسندت إليهم مناصب رفيعة.
يكفي أن نعاين مصير الملايير التي رُصدت لتعليم أبناء المغاربة، والتي تقاسمها عدد من “الشفّارة” الذين صرنا نعرفهم جميعًا حق المعرفة.
هنا لا بأس من العودة إلى البرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم الذي كلف 4700 مليار سنتيم، وفضيحة “التعليم الرقمي” الذي كلف 100 مليار سنتيم، مقابل 600 درس رقمي، و40 ألف حاسوب تحولت إلى خردة مع معدات معلوماتية أخرى.
غسيل “برنامج جيني” تم نشر جزء كبير منه في تقرير ثقيل للمجلس الأعلى للحسابات، وهو بالمناسبة ليس مكتب دراسات أو استشارات، بل أعلى هيئة رقابية في البلد.
اللافت أن رئيس الحكومة السابق سعد الدين العثماني أقر بفشل هذا البرنامج، لكن الوزير السابق، السي أمزازي، والوالي الحالي بأكادير، كان له رأي آخر…
جاء ذلك بعد أن مسح، ودفعة واحدة، الشبهات الكثيرة التي تحوم حول صفقاته، والاختلالات الكثيرة التي رافقته، من خلال الحديث عن اقتناء عشرات الآلاف من المعدات المعلوماتية التي لا ندري فعلاً مصيرها النهائي، في ظل وجود المئات من القاعات المغلقة بالمؤسسات التعليمية، وآلاف التجهيزات التي تحولت إلى متلاشيات.
الوالي صاحب “المتتوجين والمتتوجات”، سامحه الله، منح براءة تامة ومطلقة لهذا البرنامج، وهي براءة موجهة لمن طبخوا صفقاته، والذين لا يزالون يتحكمون في صنع القرار بالوزارة، دون أن تطالهم يد المحاسبة، رغم أن بصماتهم واضحة أيضًا في فضائح البرنامج الاستعجالي، وفي غيره من المشاريع التي جعلت قطاع التعليم يُنتج في كل مرة جيلًا جديدًا من الفساد.
اليوم هناك بقطاع التعليم صفقات جديدة بعشرات الملايير، يتحكم فيها أشخاص تفوح منهم رائحة فساد قوية لم تمنعهم من استنساخ أشكال جديدة من “تاشفارات”.
وزيعة الصفقات التي تتم حاليًا داخل الوزارة تجعلنا نقول إن برادة الغارق في تضارب المصالح وصفقات الأدوية ليس في دار غفلون… ويدري.. وتلك مُصيبة أعظم.
هذا لأن الشفّرة في صفقات الوزارة تجاوزت كل الحدود، وخاصة في المعدات والحواسيب، والإطعام، والحراسة، وصفقات امتحانات البكالوريا التي صارت مثل “بسطيلة لذيذة” يتم أكلها بنهم كل سنة…
ولهذا السبب قال بووانو للوزير لقد جئتم بمشروع المدرسة الرائدة باش تشفروا…
نحن نغرق تشرح لنا أيضًا كيف تتم ترقية المسؤولين الكبار ممن نهبوا ملايير التعليم، فيما يُترك آخرون ليتعايشوا بسلام مع ملفات جنائية تزحف بسرعة الحلزون في ردهات المحاكم وغرف التحقيق.
لقد سبق لعدد من الحقوقيين أن انتقدوا طريقة تعاطي القضاء والمصالح المكلفة بالبحث مع ملفات الفساد المالي، بعد أن استهلكت بعض القضايا سنوات دون أن يتم الكشف عن المتورطين فيها، فيما تمت تبرئة آخرين، أو تمتيعهم بعقوبات موقوفة التنفيذ رغم خطورة الأفعال المرتكبة، والتهم الثقيلة الموجهة إليهم.
واقع لا يمنح لهؤلاء فرصة الإفلات من العقاب فقط، بل ويتيح لهم الاستمرار في مناصبهم وترقيتهم وتمكينهم من تدبير الشأن العام.
نحن باختصار أمام عبث يحيلنا على ما سبق وأن نبهت له الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة، والتي قالت إننا في بلد تحرص شريحة واسعة من نخبه السياسية على تعبيد طرق آمنة لنهب المال العام من خلال التصدي لتجريم الإثراء غير المشروع، فيما تقف أخرى عاجزة أو مستسلمة أمام مد الفساد ورموزه الذين يستفيدون من عدم المحاسبة وتكريس الإفلات من العقاب.
وضع صار يتطلب شجاعة وجرأة سياسية ومجتمعية للتصدي له…
هذا لأن أي حديث عن مشروع تنموي دون اقتلاع جذور الفساد، أو على الأقل فتح مواجهة معه، هو مجرد مضيعة لوقت ثمين سنندم عليه كثيرًا…
فيضان النهب…







