قدّم المغرب، عبر وزير الخارجية ناصر بوريطة، عرضًا موسعًا حول خطة الحكم الذاتي للصحراء المغربية، في العاصمة الإسبانية مدريد. ووفق تقرير لموقع Atalayar الإسباني، فإن هذه الخطة الجديدة، التي تمتد على حوالي أربعين صفحة، تشمل كل الجوانب القانونية والسياسية والإدارية والاقتصادية والثقافية، وهي نتاج عمل مشترك بين ثلاثة مستشارين ملكيين هم الطيب الفاسي الفهري وعمر عزيمان وفؤاد عالي الهمة، مباشر من الملك محمد السادس.
ويأتي هذا المشروع في أعقاب اعتماد مجلس الأمن الدولي للقرار 2797، الذي أشار إلى أن الحكم الذاتي يمثل القاعدة الأكثر جدية وواقعية وموثوقية للتفاوض حول مستقبل الصحراء . وقد حازت الخطة على دعم نحو 120 دولة من مختلف أنحاء العالم، ما يعكس المصداقية الدولية الواسعة للمقترح المغربي.
الأسس القانونية والهياكل التنظيمية
تعتمد خطة الحكم الذاتي على أساس قانوني متين وهياكل تنظيمية واضحة. فقد حرص المغرب على تحديد الصلاحيات الوطنية والإقليمية بدقة، مع تضمين نصوص تفسيرية، وأحكام انتقالية، وآليات دستورية للمراجعة والمراقبة، بما يجعل هذا النص أقرب إلى دستور إقليمي متكامل، وليس مجرد إعلان سياسي.
ويتم توزيع الاختصاصات وفق تقنية تجمع بين قائمة شاملة للصلاحيات الوطنية الحصرية، وقائمة تفصيلية للسلطات الإقليمية، مع مبدأ التبعية الذي ينص على أن أي صلاحية غير مذكورة صراحة تبقى ضمن اختصاص الدولة إلا إذا تم الاتفاق الرسمي على غير ذلك. وتشمل الصلاحيات الوطنية الحصرية الدفاع، الأمن الاستراتيجي، السياسة الخارجية، العملة، السيادة القانونية، الرموز الوطنية، والنظام القضائي الأعلى، بحيث تبقى خارج أي سلطة إقليمية.
أما الصلاحيات الإقليمية، فتشمل التخطيط العمراني، التنمية الاقتصادية، السياحة، الصيد، التعليم، الصحة، البيئة، إدارة البنية التحتية للطاقة والمياه، وكذلك إصدار قوانين ملزمة في هذه المجالات. ويكفل القانون التزام كل سلطة إقليمية بالوحدة الوطنية والتضامن والدفاع عن السياسات العامة للدولة.
وفي حالات الخطر على النظام الدستوري أو الوحدة الترابية، يمكن للدولة تعليق بعض الصلاحيات الإقليمية مؤقتًا وفق آليات صارمة ومراقبة قانونية دقيقة، لضمان حماية الاستقرار السياسي والدستوري.
البرلمان الإقليمي والتمثيل الديمقراطي
يضم البرلمان الإقليمي هيئة واحدة ذات شرعية مزدوجة، حيث يجمع بين أعضاء منتخبين مباشرة وفق التمثيل النسبي، وأعضاء معينين من القبائل الصحراوية المعترف بها. وقد أُدرجت حصص تمثيلية للنساء لضمان مشاركتهن الفعلية، كما يُضمن استمرار مشاركة ممثلي الإقليم في البرلمان الوطني، ما يتيح تمثيلًا كاملاً في اتخاذ القرارات السيادية للمملكة.
كما ينشأ مجلس اقتصادي واجتماعي وبيئي إقليمي، يضم ممثلين عن القطاعات الإنتاجية، الجمعيات المحلية، القبائل المعترف بها، ومنظمات الشباب والمرأة، ليقدم رأيًا استشاريًا إلزاميًا حول الميزانية الإقليمية، ويقدم تقريرًا عامًا سنويًا عن نشاطاته.
السلطة التنفيذية وعلاقتها بالدولة المركزية
يرأس السلطة التنفيذية الإقليمية رئيس حكومة يُعين من قبل الملك، لضمان انسجام القرارات الإقليمية مع سياسات الدولة المركزية ووحدة المملكة. ويملك هذا الرئيس صلاحيات تنظيمية وتشريعية وإدارية، ويترأس إدارة الحكومة الإقليمية، ويعيّن كبار الموظفين الإقليميين، ويقترح مشاريع القوانين.
ويحمل الرئيس أيضًا دور ممثل الدولة في الإقليم، ما يضمن الربط بين الحكم الذاتي ووحدة الدولة. ويمكن مساءلة الحكومة الإقليمية عبر آليات دستورية محددة، تشمل تقديم طلب رقابة أو سحب الثقة مع تعيين خلف عند الحاجة.
القضاء وآليات المراقبة
يشمل النظام القضائي الإقليمي محاكم ابتدائية واستئناف، بالإضافة إلى محكمة عليا إقليمية للفصل في النزاعات المتعلقة بالقوانين الإقليمية، مع إمكانية مراجعة دستورية على المستوى الوطني. وتم اعتماد آليات لحل النزاعات تشمل مرحلة استشارية إلزامية ضمن لجنة مشتركة بين الدولة والإقليم قبل أي إحالة إلى المحكمة الدستورية، ما يعزز الاستقرار القانوني ويقلل النزاعات المحتملة.
النظام المالي والاقتصادي
تتضمن الخطة نظامًا ماليًا مستقلًا للإقليم، يعتمد على موارد محلية تشمل الضرائب الإقليمية، عائدات استغلال الموارد الطبيعية، وحصة من الإيرادات الوطنية. كما تم وضع آليات لضمان الانضباط المالي والتنسيق الاقتصادي مع الدولة، مع وجود صندوق توازن يضمن الاستقرار المالي.
وتخضع الاستثمارات الأجنبية لموافقة مشتركة بين السلطات الإقليمية والدولة، لضمان توافق المشاريع مع السيادة الوطنية والأمن الاقتصادي، فيما حظرت أي شكليات للتدخل الأجنبي المستمر.
المصالحة وعودة السكان
أقرت الخطة لجنة دائمة لتنظيم عودة الصحراويين من مخيمات تندوف، مع إجراءات للتحقق من الهوية وفرض نظام للطعون والوثائق. كما تشمل آلية انتقالية لنزع السلاح وإعادة الإدماج، مع عفو استثنائي يستثني جرائم القانون الدولي، لضمان الاستقرار والسلام الاجتماعي.
المصادقة والإطار الدستوري
يشمل المشروع استفتاءً وطنيًا يشارك فيه جميع المغاربة للمصادقة على الحكم الذاتي، مع إدماجه في الدستور ضمن عنوان خاص، مع آلية مراجعة مشددة تتطلب أغلبية في البرلمان الإقليمي والوطني، وضمانات لمساواة جميع مناطق المملكة ضمن الجهوية المتقدمة.
الهوية والسيادة
تحافظ الدولة على رموزها الوطنية بالكامل، بينما تعترف بالهوية الحسانية كمكون أساسي من التراث المغربي، مع إنشاء معهد ثقافي إقليمي لتعزيزها. وتقتصر قوات الأمن الإقليمية على مهام الشرطة المحلية تحت تنسيق الدولة، كما تمنع أي دبلوماسية موازية.
التنفيذ والتقييم
تم وضع آلية تقييم كل خمس سنوات لمراجعة تطبيق النظام الإقليمي، مع ضمان عدم المساس بالوحدة الترابية وحق الدولة في الإشراف على استراتيجياتها الوطنية، بما في ذلك الأطر الأطلسية والأفريقية.
ويشير تقرير Atalayar الإسباني إلى أن الخطة تستلهم أفضل الممارسات الدولية، خصوصًا النماذج الإسبانية والغرينلاندية، مع تعديلها بما يتناسب مع الدستور المغربي ووحدة الدولة، لتشكل نموذجًا مستدامًا للحكم الذاتي، يوازن بين الحقوق المحلية والسيادة الوطنية.







