عاد خيط التواصل الأمني بين باريس والجزائر إلى الظهور بعد زيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إلى الجزائر يومي 16 و17 فبراير 2026، في أول تواصل رفيع المستوى منذ نحو عام. غير أن هذا التطور، رغم رمزيته، يظل محصوراً في الإطار الأمني، فيما يبقى المسار السياسي معلقاً على استعادة الاتصال المباشر بين الرئيسين عبد المجيد تبون وإيمانويل ماكرون.
بحسب ما أوردته مجلة “جون أفريك” في تقرير صحافي، فإن استقبال الرئيس الجزائري لوزير الداخلية الفرنسي في قصر المرادية يُعد مؤشراً على “تحول في الموقف الجزائري” بعد أشهر من القطيعة. وتلفت المجلة إلى أن مثل هذه الزيارة لم تكن لتتم لو ظل برونو روتايو في منصبه، نظراً إلى التوتر الذي طبع العلاقة في فترته.
إعادة تشغيل القناة الأمنية
الزيارة التي وُصفت بأنها كانت مرتقبة وتم تأجيلها مراراً، جاءت في سياق إعادة تفعيل قناة التعاون الأمني التي جُمّدت بالكامل منذ يوليوز 2024، عقب تصاعد الخلاف السياسي بين البلدين. ووفق المصدر ذاته، رافق نونيز وفد أمني رفيع ضم مسؤولي الاستخبارات والشرطة والدرك، في إشارة إلى الطابع العملي والمباشر للمباحثات.
وتؤكد “جون أفريك” أن اللقاءات بين الجانبين كانت “مكثفة وصريحة”، وتركزت على ملفات حساسة، أبرزها مسألة تنفيذ قرارات الإبعاد الصادرة في فرنسا بحق مواطنين جزائريين (OQTF)، والتي تقول باريس إن الجزائر لم تمنح بشأنها أي تصاريح قنصلية منذ أكثر من ستة أشهر. وبحسب دبلوماسي فرنسي نقلت عنه المجلة، فإن استئناف تسليم هذه الوثائق يُعد شرطاً أساسياً لأي تقدم في مسار التهدئة.
كما شملت المباحثات التعاون في ملفات مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل وسوريا، إلى جانب شبكات الاتجار بالمخدرات، حيث تشير المجلة إلى أن “الخبرة الجزائرية” في هذا المجال تُعد عنصراً محورياً في التنسيق الإقليمي والأوروبي.
سياق أزمة ممتدة
تندرج هذه الخطوة ضمن سياق أزمة سياسية بدأت تتفاقم منذ ربيع 2025، وبلغت ذروتها بعد دعم الرئيس الفرنسي لمقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء، ما دفع الجزائر إلى استدعاء سفيرها في باريس وتعليق التعاون الأمني. ومنذ ذلك الحين، اقتصر التواصل على الحد الأدنى، خاصة بين أجهزة الاستخبارات الداخلية، وفق ما تنقله المجلة.
وتبرز “جون أفريك” أن حضور رئيس جهاز الأمن الداخلي الجزائري، الجنرال-ميجور آيت وعرابي (المعروف بـ”حسان”)، في المحادثات، منحها طابعاً جدياً ورسالة واضحة حول استعداد الجزائر لإعادة تفعيل القناة الأمنية، دون أن يعني ذلك بالضرورة انفراجاً سياسياً شاملاً.
الحوار السياسي.. الغائب الأكبر
رغم إعادة نسج الخيوط الأمنية، يظل المسار السياسي معلقاً. فالرئيسان تبون وماكرون لم يتواصلا هاتفياً منذ 31 مارس 2025، أي منذ قرابة عام، وهي مدة تصفها المجلة بأنها “أبدية” في علاقات بلدين تجمعهما روابط تاريخية وثيقة ومعقدة في آن واحد.
وتشير المجلة إلى أن غياب التواصل المباشر بين الرئيسين يؤدي إلى “تعطل الآلة” على مختلف المستويات، حتى لو استؤنفت بعض القنوات التقنية. كما أن تصريحات الرئيس الجزائري الأخيرة، التي قال فيها إنه “لا يرد بخصوص فرنسا”، تعكس حجم التباعد السياسي القائم.
وفي السياق ذاته، نقلت “جون أفريك” عن مصادر فرنسية اعتبارها بعض المواقف الجزائرية الأخيرة مؤشراً على صعوبة إعادة بناء حوار خالٍ من التوتر، خاصة في ظل تراكم ملفات الخلاف خلال الأشهر الماضية.
غياب السفير.. رسالة سياسية؟
ومن المؤشرات الدالة على أن الزيارة بقيت محصورة في بعدها الأمني، غياب السفير الفرنسي في الجزائر، ستيفان روماتيه، عن الوفد المرافق لوزير الداخلية. وتذكر المجلة أن السفير لم يحضر الزيارة، في خطوة تُقرأ على أنها استمرار لحالة الفتور الدبلوماسي، خصوصاً بعد توتر أعقب بث تقرير تلفزيوني فرنسي حول الأزمة الثنائية.
هذا المعطى يعزز، وفق المصدر ذاته، فكرة أن الزيارة يجب التعامل معها “بحذر”، باعتبارها خطوة تقنية لإعادة تشغيل قنوات التعاون الأمني، لا تحولاً شاملاً في العلاقات السياسية.
بين الضرورة الأمنية وحسابات السياسة
تُظهر المعطيات أن باريس والجزائر اختارتا فصل المسارين: إعادة التعاون الأمني بدافع الحاجة المتبادلة، مقابل إبقاء الملف السياسي رهين تفاهم أعلى مستوى لم ينضج بعد. ففرنسا ترى في التنسيق مع الجزائر ركيزة أساسية في إدارة ملفات الهجرة والإرهاب، بينما تحاول الجزائر اللعب بأوراق ضغط سياسية في سياق إقليمي ودولي حساس.







