رغم مرور سنوات على إدراج الأدوية الجنيسة ضمن السياسة الدوائية الوطنية، ما تزال وصفات عدد من الأطباء في المغرب تميل بشكل واضح إلى الأدوية الأصلية المستوردة أو المصنّعة تحت علامات أجنبية، حتى في الحالات التي يتوفر فيها بديل جنيس أقل كلفة وذي فعالية مماثلة. هذا الواقع ينعكس مباشرة على جيوب المرضى، خصوصا حين يتعلق الأمر بأدوية لا تشملها التغطية الصحية الإجبارية أو تُعوَّض بنسبة ضعيفة، ما يطرح أسئلة حارقة حول دور الوصفة الطبية في توجيه سوق الدواء.
الأرقام الرسمية تشير إلى أن نسبة استهلاك الأدوية الجنيسة في المغرب لا تتجاوز في أحسن التقديرات 40 في المائة في السوق الخاصة، مقابل نسب تصل إلى 70 في المائة في فرنسا و80 في المائة في ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية. وبينما تؤكد وزارة الصحة والحماية الاجتماعية أن حصة الجنيس في السوق العمومية تناهز 90 في المائة بحكم اعتماد صفقات تقوم على الأقل سعرا، يبقى الإشكال قائما في القطاع الخاص، حيث تحسم الوصفة الطبية اختيارات المريض.
فاعلون في القطاع الصحي يعزون هذا الوضع إلى منظومة تحفيزية غير متوازنة، تمنح الأفضلية العملية للدواء الأصلي، سواء عبر آليات التسويق أو من خلال علاقات مختبرات دولية بممارسين صحيين وامتيازات متبادلة.
وتؤكد مصادر حقوقية، أن دولا مثل ألمانيا والولايات المتحدة لم تبلغ نسبا مرتفعة من استهلاك الجنيس إلا بعد سن تشريعات واضحة تُلزم أو تحفّز الأطباء على وصفه، إلى جانب تمكين الصيادلة من حق استبدال الدواء الأصلي ببديله الجنيس عند الاقتضاء.
في المغرب، ورغم صدور مرسوم يُلزم المختبرات الصناعية بإثبات التكافؤ الحيوي للأدوية الجنيسة عند طلب تجديد الترخيص بعرضها في السوق، فإن الخطاب المتداول وسط بعض المرضى ما يزال يشكك في فعالية هذه الأدوية. هذا الخطاب، بحسب متتبعين، يجد صداه أحيانا في الوصفة الطبية نفسها، حين يُصرّ الطبيب على علامة تجارية أجنبية محددة، بدل الاكتفاء بالاسم العلمي للمادة الفعالة، وهو ما يقيّد هامش الصيدلي ويُبقي المريض أمام خيار مكلف.
رئيس الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة سبق وأكد في تصريحات، أن لوبيات الصناعة الدوائية ما تزال تؤثر في توجهات السوق، معتبرا أن الحديث عن كون الدواء الأصلي وحده يشجع البحث العلمي “مغالطة”، بدليل أن دولا رائدة في الابتكار العلمي تعتمد بشكل واسع على الجنيس. ويضيف أن مسؤولية رفع نسبة استهلاك هذه الأدوية تقع على عاتق صناع القرار، عبر سياسات تسعير أكثر جرأة، وتحفيزات واضحة للمهنيين، وربط جزء من التعويضات باحترام بروتوكولات علاجية تعتمد الأدوية الأقل كلفة عند تساوي الفعالية.
وتفيد المعطيات بأن عدد الأدوية الجنيسة المسوقة في المغرب يفوق 3600 دواء من أصل أزيد من 4300 مسجَّل، غير أن حضورها في الوصفات لا يعكس هذا التنوع. والأكثر إثارة للانتباه أن بعض الأدوية الجنيسة تُباع محليا بأسعار تفوق أحيانا أسعار الدواء الأصلي في دول أوروبية، وهو ما يفرغ مفهوم “البديل الأقل كلفة” من مضمونه. ويُستشهد في هذا السياق بأدوية علاج التهاب الكبد الفيروسي، التي يصل ثمنها في المغرب إلى ما بين 4000 و6000 درهم، مقابل حوالي 800 درهم في مصر، حيث ساهم تعميم العلاج الجنيس منخفض الكلفة في خفض نسبة الإصابة بشكل كبير خلال سنوات قليلة.
وسط هذه المفارقة، يجد المرضى أنفسهم بين مطرقة وصفات تحمل أسماء تجارية أجنبية لا تعوضها التغطية الصحية إلا جزئيا أو لا تعوضها إطلاقا، وسندان قدرة شرائية متآكلة. ومع ورش تعميم الحماية الاجتماعية الذي أطلقته الدولة، يطفو سؤال ملح، هل يكفي توسيع قاعدة المؤمنين، إذا كانت كلفة العلاج نفسها تظل رهينة اختيارات علاجية لا تعطي الأولوية دائما للدواء الأقل سعرا والأكثر ولوجا.







