تصاعد الجدل حول جدوى وصف المغرب بـ“البلد الصاعد”، في ظل مؤشرات اجتماعية واقتصادية وسياسية تُظهر انزياحاً بين الخطاب الرسمي وواقع الشباب المغربي، بحسب خبراء وفاعلين ناقشوا الموضوع في مناسبات متعددة.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي نجيب أقصبي أن الحديث الرسمي المتكرر عن “المغرب الصاعد” لا يتماشى مع أداء المجتمع على مستوى توفير فرص العمل والتحولات الاجتماعية؛ مشيراً إلى أن الشباب المغربي يعيش “شعوراً متفاقماً بالحرمان” وأنه “لا يمكن الحديث عن صعود اقتصاد إذا ظل الشباب راكداً ويعاني من مشاكل أساسية في التعليم والشغل”.
وأبرز أقصبي أن الاستراتيجيات الحالية لم تُحدث نقلة نوعية في معيشة العمال والشباب، وأن المغرب في حاجة إلى معدل نمو سنوي مرتفع ومستدام حتى يقترب من مصاف الدول التي يصطلح عليها بـ“الصاعدة”.
وتتزامن هذه التحليلات مع دراسة أخرى تُظهر أن الشباب المغربي يتسم بمفارقات عميقة في أسلوب حياته وتفاعله مع المشهد الوطني. ففي الوقت الذي يتشبّث فيه كثير من الشباب بالقيم الأسرية والدينية، فإن نسبة كبيرة منهم تشكّك في المؤسسات السياسية وتميل إلى الاحتجاج الصامت أو الانسحاب التدريجي من العمل السياسي التقليدي، خاصة مع انخفاض نسبة الثقة في الأحزاب وارتفاع عزوفهم عن التسجيل في اللوائح الانتخابية، بحسب إحصاءات وملاحظات اجتماعية.
وتعكس هذه المؤشرات واقعاً معقداً يربط بين ما يشعر به الشباب من “تميّز بين الهوية الرقمية والهوية الوطنية” وبين تراجع مشاركته السياسية، ما يضع البلاد أمام تحدٍّ مزدوج: كيف يوازن بين تطلعات جيل واعد وبين سياسات اقتصادية واجتماعية بطيئة الاستجابة لمطالبه الفعلية.
في سياق ذي صلة، يشير خبراء اجتماعيون إلى تراجع واضح في مؤشر الشعور بالانتماء لدى الشباب المغربي. فقد كشف تقرير دولي أن معدلات الإحساس بالهوية الوطنية لدى فئات واسعة من الشباب منخفضة مقارنة بدول أخرى، وهو ما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأوضاع الحقوقية والتعليمية والاقتصادية.
وأضاف التقرير أن ضعف الانتماء الاجتماعي لدى الشباب لا يعكس فقط تدهوراً في الروح الوطنية، بل هو مزيج من عوامل تشمل ارتفاع البطالة، وتراجع الفرص التعليمية والمهنية، فضلاً عن شعور قوي بعدم الأمان في التعبير الحر عن الرأي.
في الجانب السياسي، يرى مراقبون أن مشاركة الشباب في الفعل السياسي الرسمي ما تزال دون المستوى، إذ يواجه الشباب عراقيل في إمكانية التأثير داخل الأحزاب أو تقاسم المسؤوليات الحقيقية في صناعة القرار، رغم كونه يشكّل نسبة كبيرة من القوة الديموغرافية في البلاد، وما يرجّحه بعض الفاعلين من أن البرامج الحكومية غالباً ما تركز على الإدماج الاقتصادي دون منح الشباب مواقع فعلية في السياسة.
وتشير التحليلات إلى أن عدم إشراك الشباب بصورة فاعلة في المحطات السياسية والاستحقاقات القادمة يزيد من هوة التباعد بين المؤسسات السياسية والجيل الصاعد، ما يجعل من تحديات الإدماج السياسي إحدى أكبر العقبات أمام تحقيق “ارتفاع حقيقي” في مستوى المشاركة العامة.
المشهد المغربي الراهن، في ضوء هذه المؤشرات، يبدو وكأنه يجمع بين إحساس عام بـ“الانتظار الغامض” على المستوى السياسي والقلق الاجتماعي المتنامي لدى الشباب، وبين خطاب رسمي يروّج لصورة بلد في صعود مستمر، ما يثير تساؤلات حول مدى تجسّد هذا الصعود في واقع المواطنين خصوصاً الأجيال الجديدة.
وفي هذا الصدد، يرى محللون أن المرحلة الراهنة تتطلب إعادة قراءة عميقة للسياسات العمومية، من منظور يضع الاحتياجات الحقيقية للشباب في صلب الأولويات، ويعطي مساحة أوسع للانخراط السياسي والاجتماعي الفعلي، بما يعزز الثقة المتبادلة بين الأجيال والمؤسسات.
الشباب و”المغرب “الصاعد”.. أقصبي يبرز الهوة بين الواقع والخطاب الرسمي







