تتجه مدينة القنيطرة إلى احتضان واحد من أكبر المشاريع الصناعية في تاريخ قطاع السيارات بالمغرب، بعدما أطلقت مجموعة Gotion High-Tech الصينية مشروع “غيغا فاكتوري” لإنتاج بطاريات السيارات الكهربائية، باستثمار أولي يفوق 12,8 مليار درهم، على أن يرتفع تدريجياً إلى حوالي 65 مليار درهم عند بلوغ الطاقة الإنتاجية القصوى خلال السنوات المقبلة.
المشروع، الذي يُرتقب أن يدخل حيز التشغيل مع نهاية سنة 2026، يمثل خطوة نوعية في تموقع المغرب داخل سلاسل القيمة العالمية للسيارات الكهربائية، إذ لا يتعلق الأمر بوحدة تجميع تقليدية، بل بمركب صناعي ضخم موجه لإنتاج خلايا البطاريات بقدرة قد تصل، وفق تقديرات متداولة في الأوساط الصناعية، إلى نحو 100 غيغاواط/ساعة سنوياً في أفق 2030. هذه الطاقة الإنتاجية تضع الموقع المرتقب ضمن أكبر المنشآت من نوعها في حوض البحر الأبيض المتوسط.
ويأتي هذا الاستثمار في سياق حركية صينية متصاعدة بالمغرب، رصدتها صحيفة لوموند الفرنسية، التي أشارت إلى أن المملكة استقطبت خلال الفترة الممتدة بين 2023 و2025 نحو نصف الاستثمارات الصينية الموجهة لقطاع السيارات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بواقع 23 مشروعاً من أصل 45. وتستفيد هذه الدينامية من اتفاقيات التبادل الحر التي تربط المغرب بالاتحاد الأوروبي، ما يمنح المنتجات المصنعة محلياً أفضلية ولوج السوق الأوروبية، شريطة احترام قواعد المنشأ ونسب الإدماج.
مصادر صناعية تعتبر أن اختيار القنيطرة لم يكن اعتباطياً، بالنظر إلى تموقعها داخل المنظومة الصناعية التي تضم بالفعل مصانع كبرى على غرار Renault وStellantis، إضافة إلى شبكة من المجهزين ومصنعي المكونات. كما يوفر القرب من ميناء طنجة المتوسط ميزة لوجستية حاسمة لتصدير البطاريات أو السيارات نحو الأسواق الأوروبية في آجال قصيرة وكلفة تنافسية.
المعطى الاستراتيجي الآخر يرتبط بتكامل المشروع مع استثمارات موازية في مكونات البطاريات، خاصة في الجرف الأصفر، حيث يجري تطوير وحدة لإنتاج مواد الأنود والكاثود في إطار شراكة بين المجموعة المغربية Al Mada والشركة الصينية CNGR Advanced Materials. هذا التكامل يعزز الاستفادة من الفوسفاط المغربي، المادة الأساسية في بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم (LFP)، ويمنح المغرب موقعاً متقدماً في سلاسل الإمداد المرتبطة بالتحول الطاقي.
وتقرأ المصادر هذه الاستثمارات أيضاً في ضوء التحولات الجيو-اقتصادية الجارية، إذ يرى باحثون، من بينهم خبراء مرتبطون بمؤسسة Chatham House، أن جزءاً من استراتيجية المصنعين الصينيين يقوم على توطين مراحل من الإنتاج خارج الصين لتفادي الرسوم الجمركية المشددة التي فرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على السيارات الكهربائية الصينية. ويشكل المغرب، بفضل اتفاقياته التجارية واستقراره السياسي وبنيته التحتية، منصة ملائمة لهذا التموقع الجديد.







