تذهب المصادر التاريخية إلى أن توطين القبائل بالمغرب هو مزيج بين الاستقرار الأمازيغي القديم (مصمودة، صنهاجة، زناتة) والوافدين العرب (بنو هلال، بنو سليم، بنو معقل) منذ القرن الـ11م، خاصة خلال العهد الموحدي والمرابطي، حيث تميز بهجرة القبائل الرّحل إلى السهول والمناطق الحضرية. و شكّل هذا التمازج النسيج القبلي المغربي الحالي بين مستقر ورحل.
فالقبائل الأمازيغية هم السكان الأصليون و تتوزع حسب السلالات الحاكمة (صنهاجة دعامة حكم المرابطين)، و(مصمودة حكم الموحدين)، و(زناتة : بنو يزناسن،حكم بنو مرين) في جبال الريف، الأطلس، وسوس.أما التوطين العربي فقد بدأ بدخول القبائل الهلالية (بنو هلال، بنو جشم، بنو سليم) إلى السهول، وتوطين بنو معقل في مناطق الصحراء والجنوب. وكان استقرار القبائل العربية في الغرب، دكالة، عبدة، و كذا حول المدن القديمة، بينما احتفظ الأمازيغ بالمناطق الجبلية.
وهذا التوطين تم عبر فترات تاريخية نتيجة الهجرات و الضغوط الاقتصادية، أو سياسات الدول الحاكمة كما سبقت الإشارة، ومن بين القبائل العربية نجد : الرحامنة، الشاوية، أولاد أبي السباع، بني حسان. بينما الأمازيغية: زيان، صنهاجة، مصمودة، و ريفيون.
وفيما يخص التوطين بالغرب فقد كان ضعيفا، وذلك بسبب انتشار أمراض المستنقعات وكثرة الفيضانات؛ وقد استوطنته عدة حضارات(كما هو الحال بعدة مناطق بالمغرب) من قبل ، الولدان والفنيقيين والرومان الذين تركوا بصماتهم بمجال تواجدهم؛ مثل مدينة بناصا “Benassa”قرب مدينة مشرع بلقصيري و” Muleloucha” بمولاي بو سلهام و” TAMUSUDA ” قرب المهدية ( القنيطرة) ومدينة ليكسوس بالعرائش ، كما استوطنته قبيلة المصامدة (برابرة) وغمارة بالشمال، هذا و قد عرفت المنطقة ( سهل الغرب خاصة) بقدرتها على استقبال المهاجرين من مناطق مختلفة و توفير موارد العيش لهم، لكن تواتر الفيضانات و انتشار الأمراض و الأوبئة بفعل تواجد المستنقعات قللا من الكثافة السكانية حتى بداية القرن العشرين.بعد هذا التاريخ لم تتوقف ساكنة الغرب عن التزايد إلى أن أصبح من بين المناطق الأكثر كثافة في البلاد، بفعل عدة عوامل من بينها إقحام المجال في سيرورة الرأسمالية الزراعية منذ مطلع الثمانينيات التي ساعدت على توفير مناصب شغل و بأجور هزيلة بفعل انتشار الزراعة السقوية. و هكذا عرف المجال هجرات عدة لقبائل مختلفة و تحولات ديمغرافية، أدت لا محالة إلى ضغط حقيقي على المجال الفلاحي، بعد الاستقرار النهائي لقبائله والتي تشكل سفيان أهمها وأقلية من الخلط.
في القرن 12م (1187م) قام السلطان يعقوب المنصور الموحدي بترحيل قبائل بنو هلال من إفريقيا التي كانت تساند القبائل الثائرة على الدولة الموحدية ( بنو غنية) لاستعمالهم كملشيات لحكمه . وقبيلة بنو هلال هم بطن من قبيلة اتيج الهلالية ، كانوا يسمون قبل دخلوهم إلى المغرب “بالأتابيج ” وبعد دخولهم تسموا بسفيان لأن شعبهم افترقت في المغرب إلى خلط و سفيان وبني جابر.كانوا عند دخولهم إلى المغرب الأقصى يستقرون بأطراف تامسنا مما يلي آسفي وكانوا يملكون أزمور ودكالة وبعض دواوير واد تانسيفت وبلاد نفيس من أحواز مراكش و تادلة ، كما أن جزء منهم يتنقل من بعض قبائل معقل ما بين تلك السهول الأطلسية والسهول الجنوبية بصحراء سوس فضواحي بلاد حاحة.
و يتعارض تاريخ القبيلتين (سفيان والخلط ) من خلال مواقفهما من السلطة السياسية الموحدية، وهكذا كان موقف سفيان من الموحدين متذبذبا، بين الطاعة أحيانا والمعارضة أحيانا أخرى ،إلى أن وصل المرينيين إلى الحكم فكان لهم اعتزاز على الدولة بكثرتهم وقرب عهدهم بالبداوة ، فأكثروا الفساد مما جعل الخليفة يعقوب بن عبد الحق يرى ضرورة تقديم أمرهم فواجههم إلى أن تمكن من قتل زعيمهم ” مسعود بن كانون بن جرمون في محرم 681هـ (1282 م ) وتزوج زوجته ، فإلى هذا التاريخ تعود بداية هجرة قبيلة سفيان إلى الغرب أما قبيلة الخلط فعند تهجيرها كانت تضم 12 ألف من الفرسان عدا الأتباع والجيوش والراجلين وكانوا ببلاد”تامسنة”وبذلك سدت قبائل سفيان المنافذ أما قبيلة الخلط واتجهوا نحو الشمال قرب المحيط الأطلسي وبدأ دورهم السياسي سنة 621 هـ عند قتل الخليفة عبد الواحد المخلوع وتولي عبد الله بن المنصور الذي عارضه الخلط بزعامة قائدهم هلال بن أحمد واستمر الصراع والحروب بين القبيلتين (سفيان و الخلط) من أجل الزعامة والاقتراب من الحكام حتى جاء المرينيون سنة 674 هـ وقد أصهر الخليفة المريني يعقوب بن عبد الحق إلى زعيمهم وتزوج ابنته وأنجب منه ولده عثمان الذي سيتولى الحكم ما بين 710 -730 هـ ومن بعده السلطان أبو الحسن المريني (731-752هـ) وهكذا أصبح الخلط كليا في جملة بني مرين وعنصرا أساسيا في قواتهم ، ولقد أبلوا البلاء الحسن في عهد السعديين في معركة واد المخازن. ولقد استمر تهجير القبائل تدريجيا ( عكس قبيلة رياح) من بداية عهد بني مرين أواخر القرن 7هـ/13م إلى النصف الثاني من القرن 10هـ/16 م خاصة في عهد الخليفة أحمد المنصور السعدي الذي استعملهم لإحداث نوع من التوازن أمام تزايد نفوذ الخلط وغيرهم بعد أن آزروا والي العهد بفاس محمد الشيخ المامون في انتفاضته على والده ، فأمر السلطان بنقل أفواج مهمة من قبيلة سفيان من دكالة إلى الغرب، ومن هنا كان دورهم كقبيلة مخزنية ، هذا الدور يتحدد أكثر عندما أصهر السلطان العلوي ” مولاي إسماعيل” (1672-1727 م ) إلى أحد بيوتات سفيان بزواجه من السيد حليمة السفيانية أم ولده مولاي زيدان الصغير .
ولقد تنقلت القبائل بالغرب عموما قبل أن تستقر نهائيا ومما يدل على ذلك وجود عدة شهادات مثل الأضرحة والزوايا التابعة لكل قبيلة ، من زاوية الولي قاسم بن اللوشية السفياني توفي 1077هـ/ 1666 م ، الذي سيصبح فيما بعد مركز لقبيلة الشراردة التي وصلت إلى المنطقة في وقت لاحق 1245 هـ/ 1829م . وبعد وفاة السلطان أحمد المنصور ، انتقل ما بقي من سفيان من دكالة إلى أزغار( السهل بالأمازيغية ) ووجدوا قد استولت عليه قبيلة مختار فزاحموهم ودافعوهم من أجل الحوض ، لكن ضغط بني حسن جعلهم يتراجعون إلى الضفة الأخرى لسبو ( اليمنى ) انطلاقا من القرن 11هـ/ 17 م وبداية القرن 12هـ /16 م .
ويمكن القول أن الجذور كانت ممتدة بين القبائل الغرباوية وحوض اللوكوس من جهة ومنطقة جبالة من جهة ثانية ، حيث نلاحظ انصهار قبائل عربية بأخرى جبلية وأسماء بربرية ومداشر تحمل أسماء عربية وهكذا تكونت خريطة توزيع القبائل حيث يفصل نهر الدرادر بين الخلط وطليق بشماله وسفيان وبن مالك بجنوبه ، كما أن نفس النهر يفصل بين سفيان وبن مالك شماله وشراردة وبني حسن جنوبه .
وقد تجد دواوير سفيانية ببني مالك أوشراردة كما هو الحال مع دوار أولاد اللوشة (بجماعة للا ميمونة ) وعلى العموم تجد دواوير خلطية في بلاد سفيان وبني مالك ومنذ القرن 18 م تناثرث دواوير بين العرائش والمحيط الأطلسي (20 دوارا) بين الخلط وطليق (دوار بدواة بالشوافع وآخر بنفس الإسم بالعوامرة ) واستقر الخلط في بلاد الهبط ما بين القصر الكبير والمحيط الأطلسي بين ضفتي نهر درادر والمرجة الزرقاء بمولاي بوسلهام وذلك في مراحل بحثها عن مصادر المياه والمراعي وقد استقرت كل من قبيلة سفيان وبن مالك بأزغار والخلط بين أصيلا والقصر الكبير واستوطن ثلات منها بالغرب . فإقليم أزغار استوعب فروعا تنتمي إلى القبائل الكبرى الثلاث التي دخلت شمال إفريقيا وهي هلال وحكيم ومعقل و تعتبر قبائل سفيان و الخلط وبني مالك أكثر ثراءا إلى جانب ذلك كانوا غاية في الشجاعة.
لمجموعات الثانوية: يعد المغرب من أكثر الدول الإسلامية والعربية احتضانا للزوايا والأضرحة,والمزارات.إذ لاتخلو قرية أو حاضرة من ضريح أو مزار.وعددها أحد الباحثين ب 5000 ضريح.ولهذه الزوايا والأضرحة جذور ضاربة في عمق التاريخ المغربي انطلاقا من المولى إدريس الأول إلى عهد العلويين. ارتبطت بالدوحة الشريفة كما وهنا وجب التمييز بين التصوف الفردي المرتبط بالضريح,والتصوف المؤسساتي المرتبط بالزوايا,التي لعبت دورا أساسيا في تاريخ المغرب السياسي والإقتصادي والإجتماعي. كما ساهمت في استقرار البلاد وخلق توازنات روحية باعتبارها مالكة لسلطة المعرفة الروحية والسياسية أيضا
لقد عرف المجال، علاوة على المجموعات الكبرى الأولى من سفيان وبني مالك والخلط، مجموعات أخرى تكونت خاصة من تجمعات سكانية صغرى أهمها الرباطات أو الزوايا والشرفاء والمهاجرون واللاجئون. ولقد عرفت جل مناطق المغرب والغرب منها خاصة، في بعض الفترات من تاريخها، انبعاث التصوف الشعبي ، الذي أصبح يؤطر السكان من أجل نشر هذا اللون من التصوف المتمثل في الطريقة الصوفية الجازولية ، ومن أجل الدفاع عن حوزة البلاد الإسلامية من الهجمات الأيبيرية المسيحية خلال القرون 9 هإلى11 (15 إلى 17 م) فنشأ من خلال ذلك مراكز وهي الزوايا، كانت كلها نواة تجمعات سكانية ( دواوير، قرى ومدن…) ظلت قائمة إلى اليوم:
الربــاطــات وهي مراكز محصنة على طول الساحل الأطلنتيكي، خاصة حول مصب نهر سبو ودرادر ومدخل المرجة الزرقاء، ينطلق منها المرابطون لمواجهة التهديد المسيحي، وبعض هؤلاء المرابطون كانت تتم تعبئتهم من نفس المكان ، وبعضهم جاء من الجنوب المغربي، وانصهر في القبائل المحلية واحتفظ بشخصيته ومنهم أولاد مصباح(les veilleurs) الذين كانوا رواد الجهاد في الشمال المغربي ينحدرون من أحدهم يسمى أبو الضياء مصباح الزناتي الشاوي ( أصلهم بربري )، ويوجد بين طنجة والمهدية 21 ضريحا لشهداء المجاهدين من أولاد مصباح منهم الشيخ سيدي محمد بنمنصور الإدريسي السفياني(ت930هـ، المعروف محليا ب مولى قبتين ) في جزيرة اليابس وسط مرجة رأس الدورة (المناصرة) من بلاد ولاد جلول وهي للخلط آنذاك.
والحسن بن عيسى وابنه عيسى بسوق أربعاء ، وضريح عبد الله المصباحي المعروف بمولاي ” كلا ” (جماعة الشوافع) على الساحل الأطلسي وغيرهم حول ضريح مولاي بوسلهام ( سيدي عبد الجليل الطيار ) في الضفة الأخرى للمرجة الزرقاء.
الـزوايــا: ويرجع أصل الدوار الزاوية إلى مكان منعزل كان يستخدم أصلا مقرا لسكن الشيخ الذي يلقن لأتباعه بعيدا عن الضوضاء ، مبادئ طريقته ، ولما كان هؤلاء الأتباع يأتون من بعيد ، ويصعب عليهم الرجوع يوميا إلى أمكان استقرارهم فإنهم يستقرون في الزاوية أو المساكن التي بنوها حول الزاوية ولا يقتصر الأمر على هؤلاء الأتباع وإنما كذلك الأفراد أو الجماعات التي تتعهد الزاوية المضطهدين والمطرودين الذين يلجئون إليها أو الفلاحون المجاورون لها يفضلون التبعية إليها من أجل الإفلات من الضرائب .
ويطلق اسم الزاوية كذلك على بعض الدواوير التي منح السلطان الواجبات المفروضة عليها لشيخ ما وإن إفلاتها من الضرائب جعلها مناطق حرة، خارجة عن وصاية القائد التابعة له في الأصل. لا نجد ظاهرة الدواوير / الزاوية إلا عند قبائل سفيان وبن مالك وقليل عند الخلط (كلا)، وفي بداية القرن 20 م تراجع نفوذ الزوايا ، ولم يبق من امتيازاتها القديمة إلا كونها قيادة خاصة الاستخلاص الضرائب.( ربما عوضتها الأحزاب والمنظمات السياسية التي تتموضع بين السلطة الحاكمة والشعب)
إن شيوخ الغرب عامة لم تتعد شهرتهم أو تتجاوز حدود المنطقة بتأسيس لعدة زوايا نذكر من بينها وزاوية أو ضريح مولاي كلا بدوار كلا بالشوافع ، وكذلك زاوية “عين تيساوت” قرب مولاي بوسلهام التي أسسها أولاد مصباح. ولم تقتصر الظاهرة على الذكور فقط وإنما هناك أضرحة لوليات صالحات؛ للاعائشة البحرية بأزمور- للافاطمة تعلات بآيت باها سوس…. للاعائشة الإدريسية بالقصر الكبير وبإقليم القنيطرة للا ميمونة ” تاكناوت” وهو مركز الطريقة الهداوية والحرم (Asile ولقد تناولت العديد من الروايات حكاية توسط للاميمونة بين الولي الصالح مولاي بو سلهام (وإسمه الحقيقي سعيد المصري وهو من آل البيت)، والولي الصالح سيدي عبد الجليل الطيار على الضفة الأخرى للمرجة الزرقاء.
وكذلك زاوية “قناطرة”( qnatra ) بنواحي القصر الكبير و التي لعبت دورا كبيرا في معركة الملوك الثلاثة (واد المخازن 1578م) حيث منحها السلطان السعدي المنصور الذهبي امتيازات مالية وعقارية (أراضي) بظهير سنة 1586 ، بعض هذه الزوايا تستمد سلطتها الدينية من أصلها الشريف وبسطت نفوذها على المنطقة من خلال الامتيازات والأراضي الفلاحية.
استقرار الشرفاء: دخلت الحركة الصوفية بطرقها وزواياها في صراع مع الأسر الشريفة وأصبحت هذه الأخيرة حليفة للسلطة السياسية القائمة وساهمت في تحقيق مجدها، فجعل هذا التحالف الكثير من الأسر الصوفية تبحث لها على الشهرة بادعائها الشرف، وقد قبلت العامة هذا التماثل بسهولة؛ و كان المخزن يقدم ضمانة لهذا الادعاء بمنحه ظهائر “التوقير والاحترام”، وهكذا تناسلت الأسر التي ادعت الشرف واستقرت في المنطقة في ظروف مناسبة لها بحيث تمكنت من الأراضي واستغلالها.
ويمكن أن نشير هنا إلى الأشراف الأدارسة (انطلاقا من مقرهم بوزان) الذين مارسوا تأثيرهم على المنطقة من خلال ظاهرة “العزيب” و هي مجموعة من الأراضي تسلم بمستخدميها (Mselmin) و تحت أمرة مقدم و يتسلمون جزء من المحاصيل، و لا يغادرون إلا بإذن الشريف، و هذه الظاهرة كانت منتشرة بالغرب الأعلى و مقدمة جبال الريف
و هناك جماعات قليلة ساهمت بكيفية ما في تعمير المنطقة إلا أن استقرارها كان متواضعا ومن الصعب تتبع طريق انتقالهم إليها ويمكن لنا التركيز فقط على الجماعات التي كانت من نصيب سفيان الغربية والخلط ونقسمها إلى مجموعتين:
المهاجــرون أو رجال الخدمات الذين جاؤوا للقيام ببعض الخدمات مثل اليهود الذين مروا مرور الكرام (استقرارهم بمدينة القصر الكبير) والدكاليون استقروا بعدة جهات كحرفيين وتجار على الخصوص وقد استقروا بالجماعات بواسطة الزواج مثل ذلك أولاد فرج و أولاد بوزرارة الذين انصهروا بجماعة للاميمونة بدوار العنابسة، بسفيان الغربية ولحد الآن فإن سكان هذا الدوار يتعاطون، و بنسبة كبيرة، التجارة في الأسواق إلى جانب الفلاحة، وكذلك أشراف وزان الذين استقروا بعزائبهم مع خدمهم ونذكر كذلك بداوة المستقرون حاليا بين العرائش ( العوامرة ) وللاميمونة بدوار بداوة (دوار بجماعة الشوافع) وحرفتهم جمالون مشهورون وأصلهم شبه الجزيرة العربية حيث كانوا مختصين في نقل الحجاج وأقرهم السعديون في بلاد الهبط ( في سبو واللوكوس) وصحراوة الذين كانوا يمتهنون حفر الآبار أو أعمال السقي عند الأسر الكبيرة مثل عائلة “الضاوية” الارستقراطية(سيدي محمد لحمر)، والتي كانت تملك بالغرب حوالي 6000 هكتار .
اللاجئون : منهم المطرودون من الحروب أو بسبب المجاعات والانتقام ، وهناك مجموعات صغيرة وضعيفة قام السكان بطردهم من أماكن استقرارهم إلى الغرب بسبب تمردهم وعصيانهم ، مثل عبيد البخارى (1770 م /1792م) واستقروا نهائيا موزعين بين قبائل سفيان وبني مالك. كما استقر بالمنطقة عدة تجمعات جزائرية ( خاصة بقبيلة سفيان خرجت من بلادها إثر الاحتلال الفرنسي للجزائر مثل أسرة بن عودة ( لازالت قريتهم إلى الآن حيث اشتقت منها إحدى الجماعة الترابية إسمها ) وقد جاءت إلى الغرب بجمالها وقطعانها وخيامها، واشترت الأراضي في سوق أربعاء الغرب وللاميمونة وكان من بينهم قواد واستقر بعضهم في دوار أولاد سيدي الشيخ بللا ميمونة وكذا عند الفوارات بين عرباوة وللا ميمونة .
ظروف صعبة أخرت الاستقرار السكاني بالمنطقة: لم يكن الأمن هو الهاجس الوحيد لدى الساكنة بالمنطقة، بل كانت هناك ظروف طبيعية صعبة للغاية تحتم عليها التنقل باستمرار، فبقدر ما كانت المرجات مصدر رزق (الصيد والقنص واستعمال الغطاء النباتي ووظائف عديدة..) كانت كذلك مصدر قلق دائم، وكما شكلت الفيضانات ولمدة طويلة في غياب تجهيزات لصرف المياه، مشكلا حقيقيا بالمنطقة (فيضانات نهري اللوكوس وسبو… وكذلك واد ورغة).
وكانت المرجات تسببت في انتشار أمراض وأوبئة بشكل فضيع إلى درجة القضاء على أسر وعائلات بكاملها ؛ ومن الأمراض التي كانت منتشرة الطاعون والتيفوس والجدري إضافة إلى حمى المستنقعات ( Paludisme) التي كانت تحصد العديد من الضحايا (10-20 % من مجموع السكان ) ، وزاد من تعقيد الأزمة انتشار زراعة الأرز على ضفاف اللوكوس وسبو وكان الأطفال هم الأكثر إصابة ، حيث كان الغرب عشا حقيقيا للوباء ، و اتخذت السلطات الاستعمارية الفرنسية سنة 1919 إجراءات لمكافحة الحمى حيث استقدمت 150 جندي سجلت من بينهم 19 حالة وفاة سنة 1920 م قرب مرجة الفوارات وضربت حصارا حول الغابات ( على شعاع 5 كلم ) .
إضافة إلى عدم الاستقرار الأمني وضعف الاستقرار السياسي، كانت المجاعات تظهر بين الفينة والأخرى وتسببت تحولات اجتماعية جدرية (مجاعة 1849 م و1878 م )، وتشكل ظروف عيش قاسية تؤدي دائما إلى الهجرة من وسط المغرب وجنوبه إلى الشمال خاصة إلى الغرب مثل بني مسكين ودكالة وعبدة الذين هاجروا مناطقهم إثر إلى منطقة الغرب وشمالها.حيث يضطر العديد من الناس إلى بيع ممتلكاتهم خاصة الأرض مقابل كميات هزيلة من الحبوب ( القمح والشعير والذرة …) وكانت المجاعات هاجسا حقيقا يؤرق الساكنة ويفضي إلى تمركز الملكية واغتناء البعض كما أن غياب وضعف البنيات التحتية ( الماء الشروب والطرق والخدمات الصحية …) تسببت في عزلة تامة لبعض التجمعات ،الشيء الذي جعل السكان الريفيون يعيشون ظروف صعبة اتسمت بعدم الاستقرار والبحث الدءوب عن نقط الماء والمراعي للماشية التي كانوا يتنقلون بها داخل المجال مثل ضفتين نهر الدرادر قرب المرجة الزرقاء ، وضفتي واد سبو والمعمورة، إضافة إلى اصطدامات بين القبائل نفسها وبينهما وبين السلطة الحاكمة (صدام قبيلة رياح مع بنو مرين والخلط مع سفيان )، هذه التنقلات شملت منطقة الغرب والهبط على السواء ، كل هذه الظروف والعوامل جعلت الساكنة، من الأوائل، تختار التلال والمناطق المرتفعة لضمان الاستقرار. لكن مع مجيئ الاستعمار ستعرف المنطقة تحولات اقتصادية واجتماعية ومجالية عميقة ومنها التثبيت النهائي للسكان والدينامية الديمغرافية التي عرفها المجال ككل.
لقد حملت الفترة الاستعمارية البوادر الأولى للتثبيت السكاني بالمنطقة، حيث لم يكن المجتمع القبلي اواخر القرن 19 يحتاج الى التدخل او الرعاية من الدولة المركزية، بل كان يدير شؤون حياته عن طريق الجماعة، من خلال نوزيع واستغلال الأراضي بشكل جماعي في إطار التضامن وتحديد المراعي بين كل قبيلة وأخرى مجاورة، إلى أن حل الاستعمار في مطلع القرن 20 وحاول تفكيك البنية الاجماعية بكل الطرق، فعمل على تأسيس ما كان يعرف بالتحديث القروي(modernisation rurale) من خلال إحداث شركات أهلية لتحقيق اهدافه ؛منها الشركات الأهلية الاحتياطية(SIP) سنة 1918 ، وقطاعات تحديث الفلاحين(SMP). لقد ظلت المنطقة في بداية الفترة الاستعمارية، مجالا غير آهل بالسكان بسبب مجموعة من العوامل، ومن أبرزها إكراهات الوسط الطبيعي، تردد الفيضانات وتواجد المرجات ..؛ لكن هذا الوضع لم يستمر طويلا بعد تواجد المستعمر حيث عمد إلى اتخاذ إجراءات من قبيل اقتطاع 174336 هكتار من الأراضي السلالية وجعل منها 800 استغلالية فلاحية وتوزيعها على المعمرين وبداية التجهيزات الهيدروفلاحية ( الكنزرة وبهت )، وبمنطقة اللوكوس عملت السلطات الاسبانية على إحداث شركات فلاحية صناعية على مساحة 12000 هكتار باللوكوس الأسفل،الذي يجد تفسيره في التقاطع بين حوض اللوكوس والتقطيع الترابي (الإداري) بالغرب(جماعات ترابية بمنطقة الغرب تحسب جغرافيا ضمن حوض اللوكوس: للاميمونة مولاي بوسلهام …)، وكما تم دعم الفلاحين لتنمية الفلاحة وتربية المواشي ( مساعدات تقنية) الشيء الذي جعل سكان المنطقة بالغرب ينتقل من 130000 نسمة سنة 1900 م إلى 242657 نسمة سنة 1960 م بنسبة نمو سنوي (خلال الفترة التي بدأت من المرحلة الاستعمارية إلى السنوات الأولى من الاستقلال ) بلغت حوالي 2,9 %.
و في الختام ، إذا كان التوطين أدى إلى تعريب ثقافي ولغوي واسع، وتمازج سكاني، وتغير في أنماط الإنتاج من الرعي إلى الزراعة والاستقرار، خاصة مع تأثير الاستعمار؛ فإنه سيأخذ أبعادا أخرى عند استقلال المغرب، حيث ستشهد الأرياف تحولات عميقة على مستوى البنيات الديموغرافية والزراعية وكذا أنماط العيش، حيث حلت الجماعات الترابية محل القبيلة وظهرت مشاهد زراعية جديدة ودخول عهد المشاريع الإستراتيجية الكبرى وعلى رأسها سياسة السدود الواعدة.
|







