قررت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية رفع عدد مديرياتها المركزية من 7 إلى 17 مديرية، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً بين المتتبعين والمهنيين والنقابات، خاصة في ظل الجهود الرامية إلى تنزيل مقتضيات القانون رقم 08.22 الخاص بإحداث المجموعات الصحية الترابية كمؤسسات عمومية على المستوى الجهوي. هذه المجموعات يفترض أن تجعل الإدارة المركزية جهازًا للإشراف والتنسيق الاستراتيجي، لكن توسيع عدد المديريات جعل الكثيرين يتساءلون عن جدوى هذا التوسع الكبير في هيكلة الوزارة.
الحكومة، بدلاً من التركيز على تسريع تنفيذ ما جاء به المجلس الوزاري لقطاع الصحة، اختارت “تفريخ المزيد من المديريات”، وهو ما قد يؤدي إلى إرباك الموارد البشرية واستنزاف المال العام، خصوصاً في ظل ضغوطات كبيرة على ميزانية القطاع.
وكانت الهيكلة السابقة للوزارة، التي وضعت خلال فترة الوزير السابق خالد آيت الطالب، تتجه نحو تقليص عدد المديريات إلى أربع فقط، من خلال دمج عدة مديريات ومصالح متقاربة. ومن بين المقترحات السابقة، دمج مديرية الشؤون الإدارية لتشمل الموارد البشرية والقوانين والأنظمة، ودمج الموارد المالية والتخطيط مع مديرية التجهيزات والمعدات، إضافة إلى دمج مديرية السكان مع مديرية الأوبئة، وحذف مديرية المستشفيات، مع تحويل قسم المعلوميات والأنظمة إلى مديرية مستقلة.
هذه التوجهات السابقة كانت تهدف إلى ترشيد النفقات وتحسين التنسيق الإداري، وهو ما يبدو مخالفاً لما حدث مع قرار توسيع المديريات إلى 17، الأمر الذي أثار انتقادات نقابية حادة.
مصادر نقابية دعت إلى وقف ما وصفته بـ”نزيف المال العام”، مشيرة إلى أن تعدد المديريات أدى إلى ارتفاع كبير في مصاريف كراء مقراتها، والتي تصل إلى عشرات الملايين شهريًا. على سبيل المثال، تبلغ كلفة كراء مقر ملحقة الموارد البشرية حوالي 30 مليون سنتيم شهريًا، ومديرية المستشفيات حوالي 20 مليون سنتيم، إلى جانب فواتير كراء مديريات التجهيزات والمعدات، القوانين والأنظمة، الأوبئة، وملحقة مديرية الأدوية. وأضافت المصادر أن الوزارة تمتلك عدة عقارات يمكن استغلالها لإنشاء مجمع إداري متكامل يضم جميع المديريات والمصالح، ما من شأنه أن يساهم في ترشيد النفقات وتحسين التنسيق الداخلي.
في المقابل، كشفت معطيات عن الهيكلة التفصيلية المقترحة لمديرية البرامج الصحية، والتي تكشف بوضوح تفريخ المصالح والأقسام، حيث تضم ستة أقسام رئيسية، لكل منها عدة مصالح فرعية:
قسم النهوض بصحة السكان: يشمل صحة الأطفال والشباب، المسنين، ذوي الاحتياجات الخاصة، المهاجرين، الصحة في المؤسسات السجنية، وأنماط العيش السليمة.
قسم الصحة الجنسية والإنجابية: مصلحة الأمومة السليمة، تنظيم الأسرة، الوقاية من التعفنات المنقولة جنسياً والإيدز، والتكفل بضحايا العنف المبني على النوع.
قسم الوقاية ومكافحة الأمراض السارية والمتوطنة: التلقيح، الأمراض حيوانية المنشأ، الأمراض التنفسية، والأمراض الناشئة والمنتقلة عبر النواقل.
قسم الوقاية ومكافحة الأمراض غير السارية: السرطانات، الأمراض القلبية والكلى، الأمراض النادرة، وصحة الفم والأسنان.
قسم الصحة العقلية: الصحة العقلية، الاضطرابات العصبية والإدمانية، والتأهيل النفسي والاجتماعي.
قسم تنسيق وإدماج البرامج الصحية: طب الأسرة، الصحة الجماعاتية، الصحة المتنقلة، وتعزيز حقوق الإنسان ومقاربة النوع في المجال الصحي.إضافة إلى ذلك، توجد مصلحة مستقلة تتعلق بزرع الأعضاء والأنسجة، ملحقة مباشرة بالمديرية، ما يضيف طبقة أخرى من التعقيد الإداري.المحللون يرون أن هذه الهيكلة الجديدة لا تسهم في تبسيط الإدارة أو ترشيد الموارد، بل تؤدي إلى تفريخ إداري كبير، مع تكاليف مالية إضافية، وتداخل في المسؤوليات بين المصالح المختلفة، ما قد ينعكس سلبًا على فعالية القطاع الصحي.







