تتحول أقبية عدد من الملحقات الإدارية والوزارات والمؤسسات العمومية في المغرب إلى “مقابر جماعية” لذاكرة الدولة، حيث ترقد ملايين الوثائق والمخططات والقرارات التاريخية تحت رحمة الرطوبة والقوارض والإهمال البشري.
ورغم صدور القانون 99.01 المتعلق بالأرشيف وإحداث مؤسسة “أرشيف المغرب”، فإن الواقع الميداني، مع حلول سنة 2026، يكشف عن فجوة هائلة بين النصوص التنظيمية و”الفوضى التدبيرية” التي تطبع تعامل الإدارة المغربية مع رصيدها الوثائقي، وهو ما يهدد بضياع حقوق تاريخية وقانونية للمواطنين والدولة على حد سواء، في وقت يتم فيه التشدق بـ”السيادة الرقمية” و”الإدارة الحديثة”.
المعطيات الصادمة التي وقفت عليها “نيشان“، من خلال زيارات ميدانية لكواليس بعض الجماعات الترابية والمصالح الخارجية، تشير إلى أن “الأرشفة” ما زالت تُعتبر “عقوبة إدارية”، حيث يتم إلحاق الموظفين المغضوب عليهم أو الذين اقتربوا من التقاعد بمصالح الأرشيف، التي تفتقر إلى أدنى شروط السلامة والترتيب العلمي.
وفي اتصال لـ”نيشان” بـ”خالد أوترغيت”، المحلل المتخصص في تدبير النظم الوثائقية، أكد أن المغرب يفقد سنوياً “كنوزاً معلوماتية” لا تُقدر بثمن بسبب غياب “سلسلة الأرشفة” (Chaîne d’archivage)، حيث يتم إتلاف وثائق قبل أوانها القانوني أو تركها عرضة للتلف في مرائب تحت أرضية، مما يجعل استخراج وثيقة تعود إلى السبعينيات أو الثمانينيات (مثل تصاميم التهيئة أو عقود الملكية المخزنية) ضرباً من المحال.
الواقع الرقمي لا يبدو أفضل حالاً؛ “فالرقمنة” التي صُرفت عليها ملايين الدراهم تحولت، في كثير من القطاعات، إلى مجرد “مسح ضوئي” (Scannage) عشوائي لصور تفتقر إلى “الميتا-بيانات” (Metadata) التي تسمح بالبحث والولوج السريع.

في السياق ذاته، كشفت مصادر نقابية من قطاع الجماعات المحلية لـ”نيشان” أن صفقات “الرقمنة” التي أبرمتها بعض المجالس المنتخبة شابتها اختلالات تقنية كبرى، حيث تم تكليف شركات غير متخصصة قامت بتصوير آلاف الوثائق بجودة رديئة ودون تبويب كافٍ، مما جعل “الأرشيف الرقمي” عبارة عن “خردة إلكترونية” لا يمكن استغلالها قانونياً أو إدارياً.
وبحسب تقارير غير رسمية، فإن أزيد من 70% من الإدارات العمومية لا تتوفر على “قاعات أرشيف” مطابقة للمعايير الدولية، المقاومة للحريق والرطوبة.
أما على مستوى الأرقام، فتشير التقديرات إلى أن ضياع الأرشيف العقاري والإداري يكلف الدولة والمواطنين خسائر قانونية ومادية فادحة في ردهات المحاكم، حيث تسقط حقوق بسبب “عدم العثور على أصل الوثيقة”.
وفي هذا الصدد، يرى “حميد الحجوي”، الباحث في التاريخ المعاصر بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن إهمال الأرشيف ليس مجرد عطب تقني، بل هو “جريمة في حق الذاكرة الوطنية”؛ فالإدارة التي لا تحفظ أرشيفها هي إدارة بلا ذاكرة، مما يفتح الباب أمام التزوير والسطو على أملاك الدولة وضياع حقوق الأفراد.

وأضاف المتحدث ذاته، في حديث لـ”نيشان“، أن “أرشيف المغرب”، كمؤسسة وطنية، لا تملك السلطة الزجرية الكافية لإجبار الوزارات على الالتزام ببرامج التدبير الوثائقي، مما يبقيها في دور “الواعظ”، بينما تستمر “المجزرة” في الأقبية.
وترى المصادر أن الرهان اليوم يتجاوز مجرد شراء “ماسحات ضوئية”؛ فقصة الأرشيف المغربي المهمل هي مرآة لعجز “ثقافة المؤسسة” عن الانتقال من السرية والارتجال إلى الشفافية والمأسسة.

ومع اقتراب تنظيم تظاهرات كبرى مثل مونديال 2030، يبرز تساؤل حارق، حول الكيفية التي تطمح بها الدولة لمنافسة القوى العظمى تنظيمياً، وهي لا تزال تعجز عن حماية “كناش” أو “مخطط” من التآكل في قبو مظلم.
وتؤكد المصادر أن إنقاذ ذاكرة الإدارات المغربية يتطلب “مخطط مارشال” حقيقياً، يبدأ بتكوين جيل جديد من “الأرشيفيين المهنيين”، وينتهي برقمنة ذكية تربط الماضي بالمستقبل، قبل أن يأتي “الرماد” على ما تبقى من شواهد السيادة الإدارية للمملكة.







