كشفت وثائق ومعطيات حصل عليها موقع “نيشان” عن مؤشرات غير اعتيادية في تدبير صفقات الحراسة والنظافة وخدمات المناولة بالمركز الاستشفائي الإقليمي محمد الخامس بمكناس، ما يطرح تساؤلات حول “التنافسية” ومعايير تقييم العروض في هذه الصفقات.
وتُظهر محاضر رسمية تتعلق بالصفقة رقم 03/2026 الخاصة بخدمات الحراسة، تسجيل تطابق كامل في العروض المالية لـ24 شركة، حيث استقرّت جميعها عند مبلغ 1.199.947,18 درهماً، وهو ما دفع لجنة الصفقة إلى اللجوء إلى “القرعة” لحسم هوية المتعهد الفائز.
ولم يقتصر هذا المعطى على صفقة واحدة، إذ يكشف محضر الصفقة رقم 06/2025 الخاصة بنظافة وتطهير مرافق المستشفى عن نمط مماثل، حيث تقدمت أكثر من 20 شركة بعروض مالية متطابقة بلغت 4.436.039,55 درهماً.
وفي قراءة تحليلية لهذه المعطيات، أفاد مختص في تحليل البيانات (فضل عدم الكشف عن هويته) أن “تطابق العروض المالية بين عدد كبير من المتنافسين، وبدقة تصل إلى مستوى السنتيم، يُعدّ نمطاً إحصائيا غير اعتيادي في سياق يفترض استقلالية قرارات التسعير بين الشركات”.
وأوضح المتحدث ذاته في تصريح لـ “نيشان”، أن العرض المالي لأي شركة يرتبط بعدة متغيرات (تكلفة اليد العاملة، المصاريف التشغيلية، هامش الربح، الضرائب…)، ما يجعل الوصول إلى نفس القيمة النهائية أمراً مستبعداً من الناحية الاحتمالية في الظروف العادية، معتبراً أن “تسجيل انحراف معياري قريب من الصفر في مثل هذه الحالات يُشكل قرينة تستدعي التدقيق والتحقق”.
في المقابل، لا تستبعد مصادر مهنية أن تكون بعض دفاتر التحملات أو طرق احتساب الكلفة المرجعية قد تُسهم في تقليص هامش الاختلاف بين العروض، غير أن التطابق التام، خاصة على مستوى الأجزاء العشرية، يظل معطى يثير التساؤل ويحتاج إلى تفسير مؤسساتي واضح.
وتقود هذه المؤشرات إلى مفارقة أخرى تتعلق بالفجوة بين الكلفة الإجمالية للصفقات والوضعية الاجتماعية للعاملين. ففي الوقت الذي تناهز فيه بعض صفقات الحراسة 120 مليون سنتيم لمدة لا تتعدى شهرين، تُظهر عقود عمل أن الأجر الصافي لبعض الحراس لا يتجاوز 2850 درهما.
وتتعمق هذه الفوارق في قطاع النظافة، حيث تفيد معطيات نقابية بأن أجور بعض العاملات تتراوح بين 900 و1600 درهم، وهي مستويات تقل عن الحد الأدنى القانوني للأجور، ما يطرح تساؤلات حول مدى احترام مقتضيات مدونة الشغل ودفاتر التحملات.
في هذا السياق، خاض الاتحاد المحلي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمكناس وقفة احتجاجية يوم الجمعة 17 أبريل الجاري، ندد خلالها بما وصفه بـ“التعسفات الإدارية” وغياب شروط الصحة والسلامة المهنية.
كما تشير معطيات متقاطعة إلى تسجيل حالات يُشتبه في عدم تطابقها مع المساطر المعمول بها، من بينها شروع إحدى الشركات في تقديم خدماتها ميدانياً قبل الإعلان الرسمي عن نتائج الصفقة عبر بوابة الصفقات العمومية، وهو ما، في حال تأكده، يطرح إشكالات تتعلق بمبدأ تكافؤ الفرص والشفافية.
وبينما تؤكد لجان الصفقات اعتمادها معيار “العرض الأكثر فائدة اقتصادياً”، تدعو فعاليات نقابية ومهنية إلى فتح تحقيق إداري ومالي لتوضيح ظروف إعداد العروض وتقييمها، ومدى مطابقتها لقواعد المنافسة الحرة.
الى ذلك، وفي إطار احترام مبدأ التوازن وحق الرد، قام موقع “نيشان” بعدة محاولات للتواصل مع إدارة المركز الاستشفائي الإقليمي محمد الخامس بمكناس، والمديرية الإقليمية للصحة.
وشملت هذه المحاولات اتصالات هاتفية متكررة خلال أوقات العمل، غير أن هذه المساعي لم تُسفر، إلى حدود تاريخ نشر هذا المقال، عن أي رد أو توضيح رسمي.
ويؤكد الموقع استعداده لنشر أي توضيحات أو معطيات إضافية من الجهات المعنية فور التوصل بها، في إطار الالتزام بأخلاقيات المهنة وضمان عرض مختلف وجهات النظر.







