في كتابه “فن الحرب”، يقول القائد العسكري والفيلسوف الصيني سون تزو، المولود في 544 قبل الميلاد: “مَن يعرف عدوه ويعرف نفسه يقود مئة معركة من دون خطر”. ربما كان دونالد ترامب يعرف نفسه، لكنه بالتأكيد لا يعرف شيئا عن بلاد فارس، وتاريخها العريق، ولا عن العقيدة التي ينهض عليها نظام ولاية الفقيه، لذلك وجد نفسه في ورطة بعد شهرين من إطلاق حملته العسكرية في إيران. اِعْرِف عدوك قبل أن تهجم عليه، كي لا تندم في النهاية، لأن “دخول الحمام ماشي بحال خروجو”. طبعا، الحكمة أبعد شيء عن ترامب خصوصا إذا كانت صينية !
نشوة النصر تعبّد الطريق إلى الجحيم أحيانا. النجاح الباهر الذي حققته عملية خطف نيكولاس مادورو، جعلت الرئيس الأمريكي يستسهل المغامرة الإيرانية. المعادلة بسيطة بالنسبة إلى تاجر العقارات، يكفي أن يقطع رأس النظام كي تتحقق كل الأهداف السياسية، كما جرى في كراكاس، ويسيطر على ثالث احتياطي من النفط العالمي، الذي يساوي 208 مليار برميل، بعدما وضع يده على الاحتياطي الأول في فينزويلا. البلدان تشبه بعضها البعض، وهناك نسخ من ديلسي رودريغيز في كل دولة. بعد ضربة 28 فبراير المباغتة، التي أودت بحياة المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، اعتقد ترامب أن سيناريو مادورو نجح فعلا في إيران، ونزل يفتش بين الأنقاض التي خلفتها الطائرات الأمريكية والإسرائيلية، عن اليورانيوم المخصب وعن ديلسي رودريغيز وعن النفط، لكنه لم يعثر سوى على صواريخ وطائرات بدون طيار، في طريقها إلى إسرائيل ودول الخليج، وكثير من العناد الفارسي، وكلما اغتال قائداً، يطلع له آخر أكثر شراسة من السابق !
ترامب شن الحرب على إيران، بشراكة مع نتانياهو، خارج الشرعية الدولية، دون استشارة حلفائه الغربيين، لتحقيق أربعة أهداف معلنة : تفكيك البرنامج النووي الإيراني، تدمير ترسانة الصواريخ الباليستية، القضاء على وكلاء إيران في المنطقة، وتحرير الشعب من قبضة النظام التيوقراطي…
نعرف الآن، بفضل صحيفة “نيويورك تايمز”، أن نتانياهو تمكن من “بيع العجل” لترامب في الحادي عشر من فبراير، خلال اجتماع سري في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، حين عرض عليه خطة تشمل هجومًا مركبًا يؤدي إلى انتفاضة شعبية تؤدي إلى انهيار سريع للنظام. ترامب “اشترى العجل”، رغم اعتراض كبار المسؤولين الأمريكيين، وفي مقدمتهم وزير الخارجية ماركو روبيو ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، الذي وصف خطة نتانياهو ب”المهزلة”.
بعد أسابيع من القصف المكثف، بأحدث الطائرات وبالصواريخ والقنابل الأشد فتكا، تأكدت “المهزلة”. لم يستطع ترامب تحقيق هدف واحد في القائمة: فشَلَ في العثور على اليورانيوم المخصب، ولم يستطع القضاء على المنظومة الباليستية، ولا على “وكلاء” إيران في لبنان والعراق واليمن، وطبعا لم “يحرر” الشعب الإيراني… ولأن الحرب طالت أكثر مما كان مخططا له، وبدأت انعكاساتها الاقتصادية تمسّ جيب المواطن الأمريكي، فقد اضطرّ إلى إبرام هدنة مع الإيرانيين، وبدأ يتفاوض حول شيء آخر تماما : حرية الملاحة في مضيق هرمز، الذي كان مفتوحا أصلا قبل الحرب… ومع ذلك لا يخجل من رفع شارة النصر !
نحو 20% من النفط العالمي يمر من المضيق الذي تمكن الإيرانيون من غلقه بوسائل بسيطة، وتعجز البحرية الأميريكية عن تحريره، رغم بوارجها الضخمة، وحصارها المطبق، لأن التخطيط لا يقل أهمية عن السلاح، والحرب خدعة. طهران أعلنت أنها زرعت ألغاما في المضيق، وحتى إذا كان الإعلان كاذبا فقد حقق الهدف : ارتفعت أسعار التأمين، ولم تعد السفن تتجرأ على عبور هرمز دون ضوء أخضر من البحرية الإيرانية، ودون دفع مقابل مالي يخفف العبء على خزينة طهران. الرئيس الأمريكي ردّ بحصار على الحصار. صحيح أن عواقبه يمكن أن تكون مؤلمة للاقتصاد الإيراني، لكنه لا يمكن أن يؤتي أكله إلا بعد عدة أشهر أو سنوات، وربما لن ينجح أبدا في تحقيق أهدافه، الدليل أن كوبا تحت الحصار الأمريكي منذ 64 عاما، ومع ذلك مازالت صامدة !
ترامب يقف اليوم في منتصف الطريق، بعد أن سقط في فخ نتانياهو، ولا يستطيع حسم أمره: هل يدفع بالحرب إلى نهايتها حتى لو طالت وتسببت في خسائر اقتصادية وسياسية في الداخل الأمريكي، أم يتراجع ويعلن انتصارا وهميا بدعم من الوسيط الباكستاني ؟
للخروج من المستنقع، لا يملك الرئيس الأمريكي أكثر من خيارين. الأول يقضي بالتنازل عن الأهداف التي رفعها في بداية الحرب، والاكتفاء باتفاق ينقد ماء الوجه، قد يكون بالنسبة للأمريكيين أسوأ من اتفاق 2015، الذي أبرمه أوباما مع الإيرانيين، لكن ذلك لن يمنعه من المناورة والكذب، ووضعه في “أومبالاج” الانتصار، والأهم من كل ذلك أنه سيمنع التهاب أسواق النفط وانعكاسات ذلك على جيب المواطن الأمريكي، هكذا يذهب إلى الانتخابات النصفية في نوفمبر المقبل وهو يملك حظوظا في التنافس، وستكون إسرائيل أكبر الخاسرين.
الخيار الثاني هو مواصلة الحرب إلى غاية التدمير الكامل للجمهورية الإسلامية، مهما كلف الأمر من وقت ومال وخراب في الخليج وإسرائيل، وبذلك يمكنه تحقيق الأهداف المعلنة. لا شكّ أن الولايات المتحدة الأمريكية تملك الوسائل العسكرية لتحقيق ذلك، وقد حركت ثلاث حاملات طائرات إلى المنطقة، وعشرات الآلاف من الجنود، لكن إسقاط النظام لن يتحقق من دون نشر قوات على الأرض، والاجتياح البري يحتاج إلى وقت طويل، وإلى معارك شرسة قد تستغرق عدة أشهر، ثم إن الكلفة يمكن أن تكون مرتفعة جدا: ضحايا في صفوف القوات الأمريكية، وخسائر في العتاد العسكري، وميزانية ضخمة، وعواقب وخيمة على أسواق النفط، أي أن المواطن الأمريكي سيدفع ثمن الحرب من جيبه، ناهيك عن الدمار الذي يمكن أن يلحق بدول الخليج…
ثم إن الغرق في حرب مكلفة، سيفصل ترامب نهائياً عن قاعدته الانتخابية، التي انتخبته على أساس وقف المغامرات العسكرية في الشرق الأوسط، مما سيجعل هزيمته ثقيلة في الانتخابات النصفية، وإذا سيطر الديمقراطيون على الكونغرس، ليس مستبعدا أن ينجحوا في عزله، وبذلك تكون نهايته السياسية وخيمة !
هل يستطيع ترامب المقامرة بإدارته ورصيده كي يربح الحرب؟ مشكلة الرئيس الأمريكي أنه رئيس خارج المواضعات، يصعب التكهن بقراراته. يمكن أن يعتبر بأن ولايته منتهية، ويركب رأسه ويغرق في الحرب، ويغرق معه جي دي فانس وروبيو وكل من يطمحون في خلافته، كما يمكن أن يحدّ من خسائره السياسية، ويعقد اتفاقا في الحد الأدنى مع الإيرانيين، لإنقاذ ماء الوجه، ويعيد إلى نتانياهو “العجل” الذي باع له في الحادي عشر من فبراير !







