تضع الأرقام الواردة في تقرير البنك الدولي الأخير حول الاقتصاد المغربي السياساتِ العمومية أمام مساءلة تقنية حادة، تمسّ جوهر العقيدة التمويلية التي تنهجها المملكة منذ أزمة الجائحة.
ففي الوقت الذي يُنتظر فيه من الاستثمار العمومي أن يلعب دور القاطرة التي تجرّ خلفها القطاع الخاص، كشفت البيانات عن اختلال بنيوي يهدد هذا التوازن؛ إذ سجلت القروض الموجهة للقطاع العام نمواً لافتاً بنسبة 48.1%، مقابل نمو محدود لم يتجاوز 21.6% للقروض الموجهة للقطاع الخاص.
هذا التباين الصارخ لا يمثل، وفقاً لمصادر اقتصادية، مجرد أرقام محاسباتية، بل يعكس بروز ظاهرة “الازدحام” (Crowding Out) التي بدأت تفرض نفسها على الساحة المالية، حيث تجد المقاولات الصغرى والمتوسطة نفسها في منافسة غير متكافئة مع الدولة ومؤسساتها داخل المنظومة البنكية.
ووفق المصادر ذاتها، يطرح هذا التوجه علامات استفهام كبرى حول قدرة النسيج المقاولاتي الخاص، الذي يمثل 94% منه وحدات مجهرية، على الاستمرار في دورة الإنتاج والتشغيل، في ظل تراجع السيولة المتاحة لفائدته مقابل توجيهها نحو مشاريع عمومية كبرى ذات طابع رأسمالي كثيف وعائد تشغيلي محدود.
في هذا السياق، ترى المصادر أن تغليب تمويل المؤسسات العمومية والشركات التابعة للدولة يفضي إلى نوع من “الكسل المصرفي”، حيث تميل الأبناك إلى الملاذات الآمنة المضمونة من طرف الخزينة، مقابل تحفظ أكبر في تمويل المشاريع الخاصة التي تنطوي على مخاطر أعلى، رغم كونها الخزان الأساسي لفرص الشغل.
وتضيف المصادر أن هذا “التزاحم التمويلي” يرفع كلفة الولوج إلى القروض بالنسبة للمقاول الشاب أو صاحب المقاولة الصغيرة، ما يؤدي إلى تقليص قدرتها على التوسع أو حتى الحفاظ على مناصب الشغل الحالية، وهو ما يفسر جزئياً ارتفاع عجز إحداث الوظائف إلى نحو 370 ألف منصب سنوياً.
كما تشير إلى أن الدولة تتحول، في هذا السياق، من “محفّز” يفتح الآفاق للقطاع الخاص عبر الاستثمار في البنية التحتية، إلى “منافس” يستحوذ على جزء مهم من السيولة داخل السوق البنكية لتغطية حاجياته التمويلية، مما يترك حيزاً محدوداً لآلاف المقاولات التي تعاني أصلاً من تداعيات التضخم والجفاف.
ويرى خبراء اقتصاد أن هذا الاختلال ينعكس سلباً على “الإنتاجية الإجمالية”، إذ رغم بلوغ الاستثمار نحو 30% من الناتج الداخلي الإجمالي، فإن ضعف مردوديته (0.7%) يشير إلى توجيه الموارد نحو قطاعات أقل إنتاجية وتشغيلاً.
وبحسب المصادر، فإن تركز القروض لدى القطاع العام يعني أن الاستثمار يُوجَّه غالباً إلى مشاريع بنية تحتية طويلة الأمد أو لتغطية عجز تسييري، في حين يُحرم القطاع الخاص من “الأكسجين المالي” اللازم للابتكار والتصنيع والخدمات ذات القيمة المضافة العالية.
وتخلص المصادر إلى أن هذا الوضع يعمّق هشاشة سوق الشغل، حيث تجد العديد من المقاولات الخاصة نفسها عاجزة عن إبرام عقود رسمية مع الأجراء، ما يفسر معطى “ثلثي العمال بدون عقود” الوارد في التقرير.
واعتبرت مصادر من القطاع الخاص أن المقاولة المغربية تبدو، في ظل هذه المعطيات، وكأنها تشتغل بـ”رئة واحدة”، في مقابل استحواذ الأذرع الاستثمارية للدولة على الحيز الأكبر من الفضاء الائتماني، مما يجعل الحديث عن “ميثاق جديد للاستثمار” محدود الأثر ما لم يُصحَّح مسار تدفق القروض لفائدة الوحدات المجهرية التي تشكل عماد الاقتصاد الوطني.
وتخلص المصادر إلى أن المغرب يواجه لحظة حاسمة في ما يخص نموذج النمو المعتمد؛ فإما الاستمرار في سياسة “تضخم القطاع العام” التي تضمن استقرار المشاريع الكبرى لكنها تعمّق أزمة البطالة والهشاشة، أو التوجه نحو “تحول ائتماني” يعيد الاعتبار للمقاولة الصغرى ويحدّ من هيمنة المؤسسات العمومية على التمويل البنكي.
وترى المصادر أن كلفة التغاضي عن هذا “التزاحم” ستكون مرتفعة اجتماعياً، لأن معالجة عجز الوظائف لا تتم فقط عبر الاستثمار في البنية التحتية، بل أيضاً عبر تمكين نحو 363 ألف مقاولة مغربية من الولوج إلى التمويل، والتوسع، وإحداث فرص شغل جديدة، وهو ما يظل صعب التحقيق ما دامت الدولة تستحوذ على الحصة الأكبر من السيولة البنكية.







