مرة أخرى، وبذات “النفس” الاحتفالي الذي يغلف القرارات السياسية ذات البعد التسويقي، اختارت حكومة عزيز أخنوش أن تطل على الموظف المغربي بـ “بشرى” صرف أجور شهر يونيو قبل موعدها بعشرة أيام. وللوهلة الأولى، قد يبدو القرار في عيون الأسر المنهكة بمصاريف عيد الأضحى كطوق نجاة، لكن القراءة المتأنية في مطبخ القرار وفي تداعياته الاقتصادية، تحول هذا “الكرم” الحكومي إلى ما يشبه “السم في الدسم”؛ إذ ترى مصادر نيشان أن الأمر لا يتعلق بحل حقيقي لمعضلة القدرة الشرائية، بل بعملية “تخدير سوسيولوجي” تهدف فقط إلى عبور قنطرة العيد بأقل الخسائر السياسية، مقابل ترحيل الأزمة بكامل ثقلها إلى شهر يوليوز الذي يوصف منذ الآن بـ “الأسود”.
ويشير محللون اقتصاديون، إلى أن هذا الإجراء يكرس ظاهرة “النزيف المالي نحو الاقتصاد الرمادي”؛ فمليارات الدراهم التي ستُضخ من خزينة الدولة في ظرف زمني قياسي، لن تجد طريقها إلى الدورة الاقتصادية المنظمة التي تساهم في النمو أو تُنعش المقاولات الوطنية، بل ستنتهي، في جزء هائل منها، “كاش” في جيوب وسطاء الأضاحي أو من يعرفون بـ “الشناقة” وكبار المربين الذين يقتنصون هذه السيولة المفاجئة لرفع الأسعار أكثر.
هكذا، تتحول الدولة، حسب هؤلاء المحللين، إلى “وسيط لوجيستيكي” ينقل المال من الميزانية العامة إلى جيوب فئات لا تؤدي ضرائب ولا تخضع للمراقبة، بينما يخرج الموظف من هذه “المطحنة” بجيوب فارغة في أقل من أسبوع، تاركاً خلفه دورة اقتصادية رسمية تعاني من شح السيولة في بقية أيام الشهر.
في السياق ذاته أكدت مصادر أخرى، أن تبكير الأجر ليس “منة” أو فائضاً في الميزانية، بل هو ارتباك تقني يُفرض بقرار سياسي فوقي، حيث يُجبر النظام المحاسباتي للدولة على استنفاد أرصدته في وقت مبكر، مما يخلق ضغطاً على الخزينة العامة التي تضطر أحياناً للبحث عن آليات لتغطية هذا الفراغ المالي اللحظي.
والأخطر من ذلك، كما تؤكد مصادرنا، هو أن الحكومة بهذه الخطوة، “تغسل يديها” من مسؤولية ضبط الأسعار؛ فبدل أن تتدخل في عمق أزمة “الحولي” وتفكك شبكات السماسرة التي رفعت الأسعار لمستويات قياسية، فضلت أن تعطي للمواطن “ماله الخاص” مبكراً ليواجه به وحيداً مقصلة السوق، وهي سياسة تُعرف بـ “الهروب إلى الأمام” التي تكرس العجز البنيوي عن اجتراح حلول اقتصادية حقيقية بعيداً عن المسكنات اللحظية.
وبالانتقال إلى الجانب الاجتماعي، تتحدث مصادر من داخل هيئات حماية المستهلك بنبرة تشاؤمية عما ينتظر الطبقة المتوسطة في “يوليوز الأسود”؛ فالموظف الذي سيلتهم أجرته قبل 20 يونيو، سيجد نفسه مضطراً للصمود لايام طويلة قبل أن يرى الدرهم القادم في مطلع يوليوز.
هذه الفجوة الزمنية، وفقا للمصادر ذاتها، هي “الموسم الذهبي” الذي تنتظره شركات القروض الصغرى ومؤسسات السلف السريع، التي تشرع منذ الآن في شحذ عروضها الإغراءية لاصطياد “ضحايا العيد”.
وتؤكد مصادرنا أن هذا القرار الحكومي يدفع بالآلاف من الأسر المغربية، عن قصد أو غير قصد، نحو فخ المديونية، حيث سيقضي الموظف ما تبقى من سنة 2026 في سداد ديون شهر يوليوز التي تراكمت بسبب “كرم يونيو” الملغوم.







