يدخل المغرب مرحلة حاسمة في هندسة ما بات يُعرف بـ”الدولة الاجتماعية”، وهو الورش الذي يوصف وطنيا بأنه الأكثر طموحا لجيل كامل. غير أن هذا الاندفاع الإصلاحي القوي يواجه اليوم أسئلة صعبة ومقلقة، ووفقا لما جاء في تقرير حديث أصدره مركز “ستيمسون” الأمريكي للأبحاث، حيث وُضعت التجربة المغربية تحت مجهر التشخيص البنيوي الدقيق، ليرسم الخبراء لوحة تتداخل فيها الإنجازات الكبرى مع التحديات الهيكلية الصارخة.
ويشير التقرير الذي اطلعت عليه “نيشان”، إلى أنه في الوقت الذي تقترب فيه الرباط من إعلان النصر في ورش تعميم التغطية الصحية الأساسية، والتي بلغت نسبة تغطيتها رقما غير مسبوق يناهز ثمانية وثمانين بالمئة، تبرز معضلة “النفس الطويل” والاستدامة المالية كعقبة رئيسية تهدد ديمومة هذا الصرح الاجتماعي الثمين.
ويرى معدو التقرير الأمريكي أن المعادلة التي تحاول الحكومة المغربية حلها تبدو معقدة للغاية؛ إذ تم تمويل شبكات الأمان الجديدة والدعم الاجتماعي المباشر عبر هندسة مالية تقوم على تفكيك نظام المقاصة التقليدي تدريجيا، وذلك من خلال الإلغاء الكامل لدعم المحروقات، والسير المتدرج في تقليص دعم الدولة لغاز البوتان والسكر لتعويضه بتحويلات نقدية موجهة للأسر ذات الدخل المنخفض.
لكن الوثيقة ذاتها تحذر من أن هذا الميكانيزم المالي يفترض بالضرورة تدفقا مستمرا ومستقرا للإيرادات الضريبية، وقدرة ذاتية للاقتصاد الوطني على خلق ثروة مستدامة، وهو الطموح الذي يصطدم اليوم بواقع هيكلي بالغ التعقيد.
وحسب الأرقام التي أوردها التقرير، تكمن المفارقة الأساسية في التراجع الحاد المسجل على جبهة التشغيل، حيث قفزت معدلات البطالة الوطنية لتصل إلى ثلاثة عشر فاصلة ثلاثة بالمئة، في وقت تنفجر فيه العطالة وسط شباب الحواضر لتتجاوز عتبة الخمسة والثلاثين بالمئة.
ويعتبر التقرير أن هذا النزيف في الموارد البشرية الشابة، التي كان يُفترض أن تشكل القوة الضاربة لتمويل الصناديق الاجتماعية عبر الاقتطاعات المباشرة، يتزامن مع جمود مزمن في بنية الاقتصاد المغربي.
وفي هذا السياق، يلفت المصدر ذاته الانتباه إلى أن نسبة مشاركة النساء في سوق الشغل تظل من بين الأقل عالميا بنسبة لا تتعدى اثنين وعشرين بالمئة، ما يعني من الناحية العملية والاقتصادية أن أكثر من ثلاثة أرباع النساء المغربيات يبقين خارج الدورة الإنتاجية المنظمة، مما يحرم ميزانية الدولة من عائدات ضريبية وإنتاجية ضخمة.
ويخلص التقرير الأمريكي إلى أن استمرار تضخم القطاع غير المهيكل، أو ما يُعرف باقتصاد الظل، يمثل عائقا حقيقيا يحد بشكل خانق من قدرة الدولة على توسيع وعائها الضريبي وتأمين موارد مالية قارة.
وبناء على هذا التشخيص، يشدد التقرير على أن نجاح النموذج التنموي الجديد وتحصين المكتسبات الاجتماعية التاريخية لن يتحقق بمجرد إقرار هندسة مالية تعيد توزيع الميزانيات من صندوق لآخر، بل يظل رهينا بمدى قدرة صانع القرار في الرباط على ترجمة الطفرة الصناعية والدبلوماسية الحالية إلى وظائف حقيقية ومهيكلة قادرة على استيعاب الملايين، محذرا من أن طموح “الدولة الاجتماعية” قد يصطدم بجدار الاستنزاف المالي قبل بلوغ أهدافه المسطرة في أفق السنوات المقبلة.







