-ما الفرق بين الإنسان والحيوان؟
-الإنسان يعرف أنه سيموت والحيوان لا يعرف.
-من يستطيع وضع بطة في قنينة ؟
-الخيال، رغم أن البطة حقيقية والقنينة حقيقية
-متى جالستِ شخصا سيئا آخر مرة؟
-إنني أجلس معه في الآن…
هذه الحوارات الذكية والطريفة، مقتبسة من شريط المخرج الإيراني أصغر فرهادي الأخير، “حكايات متوازية”، الذي يتسابق على السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي (الدورة 79 من 12 إلى 24 ماي). الفيلم الجيد تعرفه من حواراته، ومن حبكته وإيقاعه، ومن إدارة الممثلين واختيارهم، طبعا.
يجمع فرهادي كوكبة من ألمع نجوم السينما الفرنسية، تتقدمهم إيزابيل أوبير، في دور كاتبة بمزاج حاد (سيلفي) تعتزل الناس، وتستلهم شخصيات روايتها من الجوار القريب. تغلق على نفسها في شقة بحي ريبيبليك في الدائرة الحادية عشرة من باريس، مع آلتها الكاتبة.
أصغر فرهادي يعيش منذ عقد ونصف بين فرنسا وايران، ولا يتوقف عن تجديد خياراته الفنية، وتكسير أفق انتظار الجمهور. كلّ فيلم لديه مغامرة جمالية جديدة، مع أسلوب شخصيّ لا تخطئه العين. “حكايات متوازية” هي مغامرته العاشرة، وفيلمه الفرنسي الثاني بعد شريط “الماضي” عام 2013.
تستوحي سيلفي أبطال روايتها من أشخاص يسكنون في العمارة المقابلة، بالشقة نفسها حيث ترعرعت في كنف أسرة مفكّكة. تحمل الكاتبة ندوبا نفسية عميقة. والدتها تركت والدها، وسكنت مع رجل آخر في الجوار. قضت طفولتها وهي تراه يتعذب. تُسْقِط الروائية جراح الماضي على ما تراه في الشقة المقابلة : امرأة تخون زوجها، والمخدوع يقتل الخائن. الحقيقة أن الأمر يتعلق بامرأة وشريك حياتها وأخيه الأصغر، يشتغلون في تسجيل مؤثرات صوتية لوثائقي حول عالم الحيوانات. مهنتهم أيضا تحويل الوهم إلى حقيقة، مثل الروائية تماما.
ينجح فرهادي في خلق حكايات متوازية، يشتبك فيها الخيال مع الواقع على نحو مخاتل، لدرجة يضيع معها خيط السرد أحيانا. لكن إذا كنت تحب الكتابة لن تعير اهتماما لتشابك الخيوط، وستجد ضالتك في انعكاس الحقائق على مرايا الخيال. سيلفي تتجسس على بيار (فانسان كاسيل) وزوجته نيتا (فيرجيني إيفيرا) وأخيه كريستوف (بيار نينيه)، عبر منظار من نافذة البيت، وتتحكم في مصائرهم على آلتها الكاتبة. اللعبة تتعقد حين يدخل آدم (آدم بيسا) على الخطّ. متشرد بلا مأوى، يقتحم حياة الكاتبة باقتراح من قريبتها لورانس (إنديا هامر) كي يساعدها في شؤون البيت. من الصعب ألا تفكر في محمد شكري وجان جوني وأنت تتابع خطوات آدم من التشرد إلى الكتابة. يفتنه عالم الروائية ويدلف إلى الأدب كما يدخل لص إلى بنك. يستعمل ما يعرفه من تقنيات: السرقة والكذب والاحتيال، والتجسس طبعا. ينسخ آدم مخطوط سيلفي ويدعي أنه الكاتب، ثم يقترب من نيتا، بطلة القصة، ويجعلها تطلع على الرواية. يدفع المخرج بالاشتباك بين الواقع والخيال إلى أقصاه. الإبداع ليس مجرد محاكاة، بل نوع من الخلق. الكاتبة لا تقرّر في حياة شخصيات روايتها فحسب، بل تؤثر على مصائر أشخاص من لحم ودم…
مع تفسخ الحقائق وتعدّد الشخصيات وتداخل الحكايات، يتحول الفيلم إلى ورشة مفتوحة لتعلّم الكتابة. يتمكن آدم بسرعة من أسرارها، ويريد أن يحقق عبرها تسلقا طبقيا، ليحظى بالاعتراف الاجتماعي، تماما مثل محمد شكري، الذي اكتشف الوضع الاعتباري للكاتب صدفة في أحد مقاهي تطوان، ومن يومها قرر أن يصبح كاتبا. كان صاحب “الخبز الحافي” يحتسي قهوته، حين دخل شخص أنيق، ولاحظ أن الجميع يبالغ في الاهتمام به ويبدي احتراما وتقديرا واضحين. عندما سأل من يكون هذا الرجل؟ رد عليه أحد رواد المقهى: إنه كاتب… وقد كان الأمر يتعلق بالكاتب الراحل محمد الصباغ، صديق ميخائيل نعيمة. وقتها استنتج شكري أن “الكاتب شخص محترم”، وقرّر أن يحترف المهنة. ويعترف أنه اعتبر الكتابة مصلحة شخصية، واشترى كتب الصباغ وقرأها دفعة واحدة، بعد أن شجعه حجمها الصغير… يقول صاحب “غواية الشحرور الأبيض”: “في تلك الليلة قرأت الكتيبات الثلاثة، وفي اليوم الثالث كتبت خربشات أسميتها حديقة العار”…
آدم أيضا، يسطو على رواية سيلفي، وينسخها بيده، كما يسطو على بعض جملها الطريفة، ويتجول بين المقاهي مدعيا أنه كاتب.







