في وقت يواصل فيه قضاة المجلس الجهوي للحسابات افتحاصهم للمركز الاستشفائي الإقليمي بمكناس منذ الاثنين الماضي، كشفت معطيات ووثائق حصل عليها موقع “نيشان” عن مؤشرات اختلالات تدبيرية ومالية وطبية تهم عدداً من الملفات المرتبطة بالمؤسسة الصحية ومصالح قطاع الصحة بالجهة، في سياق عملية افتحاص يُنتظر أن تحدد مدى صحة هذه المؤشرات وطبيعة المسؤوليات المرتبطة بها.
وتكشف الوثائق المتوفرة معطيات تثير تساؤلات بشأن عدد من الصفقات العمومية، خاصة ما يتعلق بتكرار حالات تطابق العروض المالية بين متنافسين في عدد من طلبات العروض التابعة للمديرية الجهوية للصحة بجهة فاس-مكناس، خلال فترة إشراف المديرة الجهوية سليمة صعصع.
وبحسب الوثائق ذاتها، فقد عرف طلب العروض رقم 06/2025، المتعلق بخدمات نظافة وتطهير بنايات مستشفى مكناس والمؤسسات التابعة له، تقدّم 24 شركة وتكتلاً بعرض مالي متطابق تماماً، حُدد في مبلغ 4.436.039,55 درهماً مع احتساب الرسوم، قبل أن تؤول الصفقة إلى تعاونية “ORKIDE COOP MEKNES”.
كما سجلت حالات مماثلة في صفقات أخرى، من بينها صفقة السكرتارية الطبية رقم 35/2023، التي آلت إلى شركة “TRADE REALSTATE SOFIA” بمبلغ ناهز 45.6 مليون درهم، والصفقة رقم 02/2024 التي تقاسمتها الشركة نفسها مع شركة “STE 3STD”، بحصتين بلغت قيمتهما نحو 9.9 ملايين درهم و25.2 مليون درهم.
وامتدت هذه الحالات، وفق المعطيات المتوفرة، إلى صفقات الحراسة لسنة 2026، حيث تم الحسم في الحصص الثلاث لطلب العروض الدولي رقم 21/2026 بعد اللجوء إلى القرعة إثر تعادل العروض المالية، لتؤول الحصص إلى شركات “STE HYATT NEGOCE SERVICE” و”STE LIMIT PROB SERVICE” و”STE GARDNET SERVICES”، بمبالغ تجاوز مجموعها 59 مليون درهم. كما تم اعتماد الآلية نفسها في صفقة النظافة رقم 22/2026، التي بلغت قيمتها الإجمالية حوالي 37.5 مليون درهم، وأسندت حصصها إلى ثلاث شركات أخرى.
وعلى المستوى الصحي، تعكس هذه الإشكالات، وفق مؤشرات رسمية مستخلصة من أجوبة سابق لوزير الصحة، وضعية ضغط كبيرة داخل مصلحة الإنعاش بمستشفى محمد الخامس بمكناس، التي لا تتوفر سوى على أربعة أسرة وأربع شاشات مراقبة في الخدمة، رغم حاجيات مؤسسة تستقبل مرضى من إقليم واسع، في ظل وجود 23 تخصصاً جراحياً مقابل طبيبي إنعاش فقط على مستوى المستشفى.
وتظهر الأرقام الرسمية أن مصلحة الإنعاش سجلت سنة 2022 وفاة 235 مريضاً من أصل 500 مقبول (47 بالمائة)، و226 وفاة من أصل 526 سنة 2023 (43 بالمائة)، فيما بلغ عدد الوفيات سنة 2024 ما مجموعه 170 حالة من أصل 449 (37.8 بالمائة)، وهي مؤشرات تطرح تساؤلات بشأن القدرة الاستيعابية للمصلحة وطبيعة الحالات التي تستقبلها.
كما امتدت الإكراهات، بحسب المعطيات ذاتها، إلى مصالح أخرى من بينها طب الأعصاب ومستشفى النهار، اللذان اضطرا، وفق المصادر، إلى استقبال حالات حرجة تفوق طاقتهما الاستيعابية، ما رافقه تسجيل 81 وفاة سنة 2024 و85 وفاة سنة 2025.
وفي ما يتعلق بمصلحة طب الأعصاب، تفيد المعطيات التي حصل عليها الموقع بأن بروتوكولات علاجية مناعية دقيقة، من بينها علاج “Bolus de Solumedrol”، يتم تتبعها ميدانياً في ظروف تثير تساؤلات بشأن التأطير البشري المتخصص، في ظل حديث مصادر عن الاعتماد على متدربة تابعة للهلال الأحمر في بعض المهام المرتبطة بالمواكبة والمراقبة، وسط خصاص في الأطر التمريضية المؤهلة.
كما تشير المعطيات إلى استمرار حالات نفاد بعض الأدوية المرتبطة بهذه البروتوكولات، ما يضطر بعض المرضى، وفق المصادر، إلى اقتنائها على نفقتهم الخاصة.
وفي سياق موازٍ، تثير طريقة تدبير بعض الجمعيات العاملة داخل المستشفى تساؤلات بشأن أوجه صرف الدعم العمومي الموجه لها، والذي بلغ، وفق المعطيات المتوفرة، نحو 260 مليون سنتيم خلال السنة الجارية، بدعم من مجلس عمالة مكناس وجماعة مكناس، في إطار برامج مرتبطة بتوظيف أطر طبية وتمريضية وإعادة تأهيل بعض المصالح.
وتطرح هذه المعطيات، بحسب “مصادر نيشان”، تساؤلات بشأن معايير صرف هذه الاعتمادات، وطبيعة العقود المعتمدة، ومدى احترامها للمقتضيات القانونية والاجتماعية، في وقت تتواصل فيه عملية الافتحاص التي يقودها المجلس الجهوي للحسابات، والتي يُنتظر أن تكشف مخرجاتها الرسمية عن مدى صحة هذه المؤشرات والاختلالات المسجلة.







