لم يعد النقاش حول عيد الأضحى في المغرب يقتصر على كونه شعيرة دينية مرتبطة بالتقرب والنسك، بل أصبح مناسبة تكشف بصورة مكثفة البنية الاجتماعية للمجتمع، ومستويات التفاوت، وأشكال الهشاشة، والعلاقة المعقدة بين الدولة والسوق والمجتمع. فالمشاهد التي تكررت في الأسواق من بكاء أرامل وجرّ الأطفال خلف أمهاتهم، والعجز عن اقتناء الأضحية، يعتبرمؤشرات اجتماعية عميقة على تحول يطال وظيفة العيد داخل المخيال الجماعي المغربي.
من منظور سوسيولوجي، يمثل عيد الأضحى في المغرب مؤسسة اجتماعية قبل أن يكون مجرد ممارسة دينية. فهو طقس يعيد إنتاج الروابط الأسرية والتضامن العائلي والاعتراف الاجتماعي والانتماء الجماعي. الأضحية هنا لا تحمل فقط قيمة دينية، بل قيمة رمزية مرتبطة بالكرامة والانتماء والمكانة داخل الجماعة. ولهذا فإن عدم القدرة على اقتنائها لا يُترجم فقط إلى عجز اقتصادي، بل قد يتحول إلى شعور بالإقصاء الاجتماعي والحرج الرمزي.
إن عجز فئات واسعة من الشعب المغربي عن شراء الأضحية يطرح سؤالًا حول التحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال السنوات الأخيرة: ارتفاع تكاليف المعيشة، تآكل القدرة الشرائية، اتساع الهشاشة، وتزايد الفوارق الاجتماعية. فالأرملة التي تبكي في السوق ليست فقط ضحية ارتفاع الأسعار، بل تعبير عن هشاشة بنيوية تجعل المناسبات الجماعية لحظات مكشوفة لانعدام العدالة الاجتماعي وتطرح سؤال الدولة الاجتماعية؟.
من جهة أخرى، يثير النقاش حول ندرة الماشية وارتفاع الأسعار(عدة فيديوهات من عدة مناطق بالمغرب) أسئلة مرتبطة بحكامة القطاع الفلاحي وسياسات الدعم. إذ يجد الرأي العام نفسه أمام مفارقة: دعم مالي موجه للكسابة والقطاع، وفي المقابل استمرار الغلاء وصعوبة الولوج إلى الأضاحي. وهنا يتولد ما يسميه علماء الاجتماع بـأزمة المعنى والثقة؛ أي عندما تصبح السياسات العمومية غير مفهومة اجتماعيًا، ويصعب على المواطن الربط بين الدعم المعلن والنتائج الملموسة في السوق.
كما أن تدخل السلطات المركزية في تدبير الأسواق، وهي المجالات التي كانت تقليديًا من اختصاص الجماعات الترابية،(قائدة تتدخل في تحديد أثمان الاكباش) فتح نقاشًا حول تحولات أنماط التدبير المحلي وعلاقة الدولة بالمجالات الاقتصادية والاجتماعية. فالسوق في المغرب ليس فقط فضاء للتبادل التجاري، بل فضاء اجتماعي وثقافي تنتج داخله العلاقات والرموز والتراتبيات. لذلك فإن أي تحول في تدبيره ينعكس على تمثلات الناس وشعورهم بالاستقرار أو الاضطراب.(ما حدث في سوق بقاس)
لقد كشف هذا الوضع أيضًا عن انتقال عيد الأضحى من كونه لحظة للفرح الجماعي إلى مرآة للتفاوت الاجتماعي. فحين تتحول الشعيرة إلى عبء اقتصادي، يصبح العيد مناسبة لإظهار الفوارق بين من يستطيع ومن لا يستطيع، بين من يحافظ على الطقس ومن يجد نفسه خارجه رغم إرادته.
سوسيولوجيًا، لا يمكن فهم الأزمة فقط بمنطق العرض والطلب أو ارتفاع الأسعار، بل يجب قراءتها ضمن سياق أوسع يتعلق بتحولات القيم وأنماط الاستهلاك وضعف شبكات التضامن التقليدية وتغير علاقة المواطن بالمؤسسات. فالأزمة ليست أزمة أضحية فقط، بل أزمة ثقة ومعنى وعدالة اجتماعية.
ويبقى السؤال المركزي: كيف يمكن الحفاظ على البعد التضامني والرمزي لعيد الأضحى في ظل هشاشة اجتماعية متزايدة؟ وكيف يمكن ألا تتحول المناسبات الجماعية إلى لحظات لإعادة إنتاج الإحساس بالعجز والإقصاء؟
هذه الأسئلة تجعل من عيد الأضحى موضوعًا سوسيولوجيًا بامتياز، لأنه يكشف ما يخفيه المجتمع خلال الأيام العادية من تفاوتات وصمت وآلام مؤجلة.
عيد الأضحى بين التحول الاقتصادي والتصدع الاجتماعي
مقاربة سوسيولوجية لظاهرة العجز عن اقتناء الأضحية في المغرب







