يبدو أن الخطاب التواصلي للأغلبية الحكومية، وهي تسابق الأمتار الأخيرة قبل محطة الثالث والعشرين من شتنبر، قد دخل مرحلة الإفلاس الكامل، ولم يعد يجد من وسيلة لترميم واجهته المتصدعة سوى الهروب إلى الأمام ومحاولة حجب شمس الواقع بـ “غربال البروباغندا” و”التلميع الفج”.
فمِن رشيد الطالبي العلمي، الذي خرج في لقاءاته الأخيرة محاولاً أن “يمسح السما بليكة”، ويقنع المغاربة بأن مآسيهم الاقتصادية وغلاء المعيشة مجرد أوهام.
إلى لحسن السعدي، الذي ما فتئ يوزع “صكوك الغفران السياسية”، قبل أن يتجاوز توزيع “الصكوك” إلى إهداء صليب العرعار للكنيسة الكاثوليكية في اليونان، وظل منذ شتنبر 2021 يهاجم كل صوت ناقد بأسلوب هجومي مشحون بشيطنة الحركات الاحتجاجية.
وصولاً إلى الوزير زيدان، القادم من برودة ألمانيا، الذي لم يرف له جفن وهو يطل على المغاربة قبل يومين معتبراً أن غلاء أضاحي العيد الملتهب مجرد “تضليل” وتشويش، في مشهد يعكس ذروة الانفصال عن نبض الشارع ونكران معاناة ملايين الأسر التي باتت العفة عاجزة عن ستر فاقتها.
هذا الإصرار الغريب على تسويق صورة “الحكومة الملائكية” المعصومة من الخطأ في ربع الساعة الأخير من الولاية، ليس سوى استمرار لنهج بنيوي من الاستعلاء والتباعد الاجتماعي طبع هذه التجربة منذ أيامها الأولى.
فالذاكرة الجماعية للمغاربة ما تزال تحتفظ بخروج وزير العدل عبد اللطيف وهبي سنة 2023 متباهيا بماله ودراسة ابنه في كندا، في خضم الجدل الذي أعقب نتائج امتحان المحاماة، بما اعتُبر طعناً في قيم تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية التي بُنيت عليها أحلام شباب هذا الوطن.
وكيف ينسى الناس الناطق الرسمي مصطفى بايتاس وهو ينزل إلى سوق “لا يعرف مكانه سواه” ليشتري لحما بـ75 درهمًا للكيلوغرام، في وقت كانت فيه الأسعار الحقيقية قد تجاوزت 120 درهما، قبل أن يعود لاحقاً ليدعو، وهو يبرر غلاء المحروقات، أصحاب السيارات إلى تحمل تكلفة امتلاكها قائلاً “حنا غادي ندعمو المهنيين ولي عندو شي طوموبيل يتحمل مسؤوليتها”.
وطبعاً لا يمكن نسيان وزير الفلاحة أحمد البواري، الذي بشر المغاربة بأضاحٍ تبدأ من 1000 درهم، في وقت تجاوز فيه ثمن أقل أضحية في الواقع 3000 درهم ووصل إلى 7000 درهم وأكثر، وقبله كان سلفه محمد صديقي قد وعد المغاربة بخروف بـ800 درهم “وبدون معلم”.
إن هذا العجز الفادح في التقاط نبض المجتمع لم يكن مجرد هفوات لسان عابرة أو زلات تواصلية يمكن غفرانها، بل كان الوجه الآخر لاختلالات هيكلية أعمق، على رأسها جدلية تضارب المصالح وزواج المال بالسلطة، التي ظلت جاثمة فوق رأس هذه التجربة الحكومية.
فمشهد رئيس الحكومة وهو يحتفظ بأسهمه ونفوذه داخل كبريات شركات المحروقات، في عز التهاب أسعار الغازوال وتصاعد الغضب الشعبي، بدا وكأنه إعلان صريح عن تغليب منطق الاحتكار على منطق الدولة الاجتماعية. ولا يمكن أيضاً إغفال الجدل الذي رافق صفقة محطة تحلية المياه بالدار البيضاء، بعدما فاز تحالف يضم شركات مرتبطة برئيس الحكومة عزيز أخنوش بالمشروع.
واتهمت المعارضة، وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية، رئيس الحكومة باستغلال موقعه للإشراف على صفقة تساهم فيها شركته، باعتباره يمارس الوصاية على المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب المشرف على المشروع.
ومن آخر ملفات تضارب المصالح، ما سبق أن كشفه موقع “نيشان” بخصوص صفقات أدوية آلت إلى مختبرات وشركات مرتبطة بوزير التعليم سعد برادة، من طرف وزارة يقودها زميله في الحزب، وقبل ذلك تصريحات كاتبة الدولة زكية الدريوش بشأن تقديم مليار و100 مليون سنتيم لأحد منتسبي حزبها لإنجاز مشروع يتعلق بـ“إنتاج وتفريخ الرخويات”.
هذا المنطق التكنوقراطي الجاف، المسكون بالأرقام والمؤشرات والمعزول تماماً عن الحس السياسي، هو نفسه الذي أدار الأزمات القطاعية الكبرى بعناد وتصلب غير مفهوم.
فقد شاهد الجميع كيف شُلت المدرسة العمومية لأشهر طويلة بسبب الإصرار على فرض نظام أساسي لرجال التعليم دون توافق حقيقي، وكيف استمر إضراب طلبة الطب والصيدلة في أطول احتقان جامعي عرفه تاريخ المغرب الحديث، حيث واجهت الحكومة مطالب أطباء الغد بسياسة الآذان الصماء والعقوبات الزجرية، قبل أن تضطر في النهاية إلى التفاوض تحت الضغط وتقديم تنازلات كان يمكن للحكمة السياسية الاستباقية أن توفر كلفتها على الدولة والمجتمع.
اليوم، ومع دوران محرك الانتخابات بأقصى سرعته، يبدو أن الأغلبية تراهن بسذاجة على نسيان المغاربة وعفويتهم. لكن في زمن التوثيق الرقمي والوعي الشعبي المتنامي، لن يكون لـ“مكياج” الأمتار الأخيرة أي قدرة على إخفاء التجاعيد السياسية العميقة لحكومة لم تنجح في شيء بقدر نجاحها في إشعال الأسعار وإهانة ذكاء المواطنين.
في الثالث والعشرين من شتنبر، لن يصوت المغاربة على خطابات الطالبي العلمي التبريرية، ولا على هجوم السعدي، ولا على استخفاف الوزير زيدان، ولا على كل هذا المنطق المحكوم بـ”تخراج العينين” السياسي، بل سيصوتون على كرامتهم التي خُدشت، وعلى جيوبهم التي أُفرغت، وعلى وعود “مسار الثقة” التي تلاشت كالدخان في أول اختبار حقيقي مع واقع الشارع المغربي.







