خلال أربع سنوات فقط، تبدلت ملامح الإبهار في خط وسط المنتخب المغربي بشكل لافت، حيث انتقلت الأنظار من لاعب حمل الرقم 8 في مونديال 2022 إلى اسم جديد ارتدى الرقم 6 في نسخة 2026، ليصبح محور حديث المتابعين بعد مواجهة البرازيل، وهي القمة التي انتهت بنتيجة 1-1 ضمن الجولة الافتتاحية للمجموعة الثالثة.
في قلب هذا التحول، برز اسم أيوب بوعدي، لاعب الوسط الشاب الذي لم يتجاوز عمره 18 عامًا، والذي قدّم أداءً لافتًا في واحدة من أقوى مباريات الدور الأول، مؤكّدًا حضوره كلاعب متكامل يجمع بين الهدوء تحت الضغط، والدقة في التمرير، والقدرة على التحكم في نسق اللعب.
بوعدي، الذي حسم قراره الدولي مؤخرًا باختيار تمثيل المغرب بدل فرنسا، وجد نفسه سريعًا ضمن الركائز الأساسية في منظومة المدرب محمد وهبي، الذي لم يتردد في منحه مسؤولية كبيرة في مواجهة من العيار الثقيل أمام بطل عالمي متعدد التتويجات.
هذا الأداء أعاد إلى الواجهة مقارنة مباشرة مع ما قدمه عز الدين أوناحي في مونديال 2022، حين لفت الأنظار بشكل مفاجئ وأثار إعجاب كبار المدربين، وعلى رأسهم لويس إنريكي، الذي لم يخفِ انبهاره آنذاك بعد مواجهة المغرب لإسبانيا في ثمن النهائي.
وقال إنريكي حينها عن أوناحي، في تصريح أعيد تداوله على نطاق واسع: “فاجأني رقم 8 في المغرب، لا أتذكر اسمه… إنه لاعب مذهل، لا يتوقف عن الركض، ويملك جودة كبيرة في وسط الميدان.”
لكن ما ميز نسخة 2026 هو انتقال هذا الإعجاب إلى لاعب جديد، إذ تحول الحديث بعد مباراة البرازيل مباشرة نحو الرقم 6 أيوب بوعدي، الذي فرض نفسه كأحد أبرز نجوم اللقاء.
ورغم النتيجة الإيجابية للمغرب أمام البرازيل، فإن الأداء الفردي لبوعدي كان العنوان الأبرز، حيث ظهر في كل مناطق وسط الميدان، بين افتكاك الكرات، وبناء الهجمات، والتحكم في الإيقاع، مع قدرة واضحة على فرض شخصيته أمام لاعبين من طراز عالمي.
الإشادة لم تتوقف عند حدود التحليل الأوروبي، إذ دخل أسطورة البرازيل روماريو على خط المديح، مؤكّدًا أن ما قدمه اللاعب الشاب يستحق الانتباه.
وقال روماريو في تحليل ما بعد المباراة: “هذا الشاب بوعدي أدهشني فعلاً… كيف يمكنه اللعب بهذه الطريقة وهو في سن 18 فقط؟ يمتلك إمكانيات كبيرة جدًا.”
وأضاف نجم كأس العالم 1994: “كان حاضرًا في كل مكان داخل الملعب، يركض، يفتك الكرة، يصنع اللعب. إذا استمر بهذا المستوى، سيكون لاعبًا كبيرًا في المستقبل.”
إلى جانب ذلك، كشفت الأرقام حجم تأثيره في المباراة، حيث كان الأكثر حركة على أرضية الملعب، وقطع مسافة قاربت 11.87 كيلومترًا، كما سجل أعلى عدد من التمريرات في صفوف المنتخب المغربي، مع دقة لافتة في التمرير بلغت مستويات عالية، إلى جانب تفوقه في بناء اللعب تحت الضغط.
ووفق الإحصائيات الفنية، فقد كان بوعدي الأكثر حملًا للكرة في صفوف المغرب، والأكثر مساهمة في التحولات الهجومية، إضافة إلى تسجيله أرقامًا مرتفعة في الالتحامات الأرضية، واسترجاع الكرات، والاعتراضات الدفاعية.
هذا المستوى دفع زملاءه داخل المنتخب إلى الإشادة بإمكانياته، حيث قال المدافع البرازيلي ماركينيوس، الذي يعرفه من الدوري الفرنسي، إن كأس العالم تُعد فرصة حقيقية لاكتشاف لاعبين استثنائيين.
كما عبّر لاعب الوسط نائل العيناوي عن إعجابه الشديد به، مؤكدًا أن هدوءه داخل الملعب غير طبيعي بالنسبة لعمره، وأنه يلعب وكأنه يمتلك خبرة سنوات طويلة في أعلى المستويات.
أما إسماعيل الصيباري، صاحب هدف المغرب في اللقاء، فاختصر التعليق بجملة واحدة لافتة: “مواليد 2007”، في إشارة إلى صغر سنه ومستوى نضجه الفني.
وفي مواقع التواصل، انتشرت عبارات إشادة واسعة باللاعب، وصلت حد القول إن “من حسن حظ المغرب أن اللاعب اختار تمثيله بدل فرنسا”، في إشارة إلى الصراع الدولي الذي سبق التحاقه بالمنتخب.
وكان بوعدي قد مثّل سابقًا منتخبات الفئات السنية لفرنسا، قبل أن يحسم قراره النهائي في مارس الماضي بتمثيل المغرب، وهو القرار الذي وصفه بأنه لحظة فخر كبيرة في مسيرته، مؤكدًا رغبته في تحقيق إنجازات مع “أسود الأطلس”.
من جانبه، أكد المدرب محمد وهبي أنه لم يكن متفاجئًا بما قدمه اللاعب، مشيرًا إلى أن الطاقم التقني كان يتابع تطوره عن قرب منذ فترة طويلة، وأن ما ظهر في كأس العالم هو انعكاس طبيعي لموهبته.
وأضاف وهبي: “بالنسبة لأول مباراة له بهذا الحجم، ما قدمه كان مميزًا جدًا، لكننا كنا نعرف مسبقًا أنه قادر على تقديم هذا المستوى.”
ويُذكر أن بوعدي كان قد دخل التاريخ مبكرًا عندما أصبح أصغر لاعب يشارك في إحدى المسابقات الأوروبية مع نادي ليل، قبل أن يفرض نفسه لاحقًا في دوري أبطال أوروبا أمام فرق كبرى، من بينها ريال مدريد.
ومع تزايد الاهتمام بأدائه، بدأت التكهنات تحيط بمستقبله في سوق الانتقالات، وسط تقارير عن اهتمام أندية كبرى من إنجلترا وإسبانيا وفرنسا بخدماته، في وقت يؤكد فيه مسؤولو ناديه أن قيمته السوقية تتجاوز توقعات السوق التقليدية.
ورغم كل هذا الزخم، يصر اللاعب على إبقاء تركيزه منصبًا على مشاركته مع المنتخب المغربي، معتبرًا أن كأس العالم تمثل أولويته المطلقة في هذه المرحلة من مسيرته.







